البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٤ - باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة
بعض في سفك الدماء و غيرها، لأنحل شيئا و لا نحرمه. فبعث اللَّه إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه و صدقه و أمانته فدعانا الى أن نعبد اللَّه وحده لا شريك له و نصل الأرحام و تحمى الجوار و نصلي للَّه عز و جل، و نصوم له، و لا نعبد غيره.
و قال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا الى اللَّه لنوحده و نعبده و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان، و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الأرحام و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة، و أمرنا أن نعبد اللَّه و لا نشرك به شيئا، و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام. قال- فعدوا عليه أمور الإسلام- فصدقناه و آمنا به و اتبعناه على ما جاء به من عند اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده لا شريك له و لم نشرك به شيئا، و حرمنا ما حرم علينا و أحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا ليفتنونا عن ديننا و يردونا الى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه، و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا و حالوا بيننا و بين ديننا خرجنا الى بلادك و اخترناك على من سواك و رغبنا في جوارك و رجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت فقال النجاشي: هل معك شيء مما جاء به؟ و قد دعا اساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله. فقال له جعفر! نعم: قال هلم فاتل على مما جاء به، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى و اللَّه النجاشي حتى أخضلت لحيته و بكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا و اللَّه لا أردهم عليكم و لا أنعمكم علينا. فخرجنا من عنده و كان أبقى الرجلين فينا عبد اللَّه بن ربيعة. فقال عمرو بن العاص: و اللَّه لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم، و لأخبرنه أنهم يزعمون ان إلهه الّذي يعبد عيسى بن مريم عبد. فقال له عبد اللَّه بن أبى ربيعة: لا تفعل فإنهم و ان كانوا خالفونا فان لهم رحما و لهم حقا. فقال: و اللَّه لأفعلن! فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل اليهم فسلهم عنه. فبعث و اللَّه اليهم و لم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض ما ذا تقولون له في عيسى ان هو يسألكم عنه؟ فقالوا: نقول و اللَّه الّذي قاله اللَّه فيه، و الّذي أمرنا نبينا ان نقوله فيه فدخلوا عليه و عنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم؟
فقال له جعفر: نقول هو عبد اللَّه و رسوله و روحه و كلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول. فدلى النجاشي يده الى الأرض فأخذ عودا بين إصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد.
فتناخرت بطراقته. فقال: و ان تناخرتم و اللَّه! اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض- السيوم الآمنون في الأرض، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا ما أحب أن لي دبرا و إني آذيت رجلا منكم- و الدبر بلسانهم الذهب. و قال زياد عن ابن إسحاق ما أحبّ أن لي دبرا من ذهب. قال