البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر و الحجف نستظل تحتها من المطر، و بات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعو ربه و يقول «اللَّهمّ إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد» فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد اللَّه فجاء الناس من تحت الشجر و الحجف فصلى بنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حرض على القتال ثم قال «إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل» فلما دنا القوم منا و صاففناهم إذا رجل منهم على جمل له احمر يسير في القوم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا على ناد حمزة» و كان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة و هو ينهى عن القتال و يقول لهم يا قوم أعصبوها برأسى و قولوا جبن عتبة بن ربيعة، و قد علمتم أنى لست باجبنكم. فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك و اللَّه لو غيرك يقوله لأعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعبا. فقال: إياي تعير يا مصفر استه؟ سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة و أخوه شيبة و ابنه الوليد حمية فقالوا: من يبارز فخرج فتية من الأنصار مشببة فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، و لكن نبارز من بنى عمنا من بنى عبد المطلب.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «قم يا حمزة، و قم يا علي، و قم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب» فقتل اللَّه عتبة و شيبة ابني ربيعة و الوليد بن عتبة، و جرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين، و أسرنا سبعين و جاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول اللَّه و اللَّه إن هذا ما أسرنى لقد أسرنى رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول اللَّه. فقال: «اسكت، فقد أيدك اللَّه بملك كريم» قال فاسرنا من بنى عبد المطلب العباس و عقيلا و نوفل بن الحارث
هذا سياق حسن و فيه شواهد لما تقدم و لما سيأتي و قد تفرد بطوله الامام احمد. و روى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به، و لما نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من العريش و حرض الناس على القتال و الناس على مصافهم صابرين ذاكرين اللَّه كثيرا كما قال اللَّه تعالى آمرا لهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً الآية.
و قال الأموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق قال قال الأوزاعي: كان يقال قلما ثبت قوم قياما، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه و يذكر اللَّه رجوت أن يسلم من الرياء، و قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم- يعنى أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما تتلمظ الحيات- أو قال الأفاعي-.
قال الأموي في مغازيه: و قد كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب. و قال «و الّذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [فيقتل] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله اللَّه الجنة»
و ذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم، و قد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، و كذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء و التضرع، ثم نزلا فحرضا و حثا على القتال و قاتلا بالأبدان جمعا