البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
في فصل نعقده بعد الوقعة، و نذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء اللَّه.
ففي صحيح البخاري عن البراء. قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمائة و بضع عشرة على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، و ما جاوزه معه إلا مؤمن. و للبخاريّ أيضا عنه. قال استصغرت أنا و ابن عمر يوم بدر و كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، و الأنصار نيفا و أربعون و مائتان. و روى الامام احمد عن نصر بن رئاب عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه. قال: كان أهل بدر ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و كان المهاجرون ستة و سبعين و كان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة. و قال اللَّه تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ لكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ الآية. و كان ذلك في منامه تلك الليلة و قيل إنه نام في العريش و أمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه و يقول يا رسول اللَّه دنوا منا فاستيقظ، و قد أراه اللَّه إياهم في منامه قليلا. ذكره الأموي و هو غريب جدا. و قال تعالى وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا. فعند ما تقابل الفريقان قلل اللَّه كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء و هؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة، و ليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ فان المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا، و ذلك عند التحام الحرب و المسابقة أوقع اللَّه الوهن و الرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بان أراهم إياهم عند المواجهة قليلا، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا و ضعفوا و غلبوا. و لهذا قال وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ. قال إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى عبيد و عبد اللَّه. لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أنى لأقول لرجل الى جنبي أ تراهم سبعين؟ فقال أراهم مائة.
قال ابن إسحاق: و حدثني أبى إسحاق بن يسار و غيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا احزر لنا القوم أصحاب محمد، قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع اليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا، أو ينقصون و لكن أمهلونى حتى انظر أ للقوم كمين أو مدد. قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع اليهم فقال: ما رأيت شيئا، و لكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة و لا ملجأ الا سيوفهم، و اللَّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل