البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - فصل
فو اللَّه إني لفي أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال، فقلت في نفسي إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا منى رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي لا و اللَّه ما عندهم بعد هذا من خير، فو اللَّه إني لفي أيديهم يسحبوننى إذ أوى لي رجل ممن معهم. قال: ويحك أما بينك و بين أحد من قريش جوار و لا عهد؟ قال قلت بلى و اللَّه لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجّاره و أمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي. و للحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس، فقال ويحك فاهتف باسم الرجلين و اذكر ما بينك و بينهما، قال ففعلت و خرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن ليضرب بالأبطح ليهتف بكما، قالا و من هو؟ قال سعد بن عبادة. قالا: صدق و اللَّه إن كان ليجير لنا تجارنا و يمنعهم أن يظلموا ببلده، قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. و كان الّذي لكم سعدا سهيل بن عمرو. قال ابن هشام: و كان الّذي أوى له أبو البختري بن هشام. و روى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبى عيسى بن جبير قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس:
فان يسلم السعدان يصبح محمد* * * بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان؟ أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا* * * و يا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى و تمنيا* * * على اللَّه في الفردوس منية عارف
فان ثواب اللَّه للطالب الهدى* * * جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو و اللَّه سعد بن معاذ و سعد بن عبادة.
فصل
قال ابن إسحاق: فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الإسلام بها، و في قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم، عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، و كان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة، و كان عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة و أشرافهم، و كان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة كما كانت الاشراف يصنعون يتخذه إلها يعظمه و يظهره، فلما أسلم فتيان بنى سلمة، ابنه معاذ، و معاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بنى سلمة و فيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه