البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - قصة بيعة العقبة الثانية
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت. قال: بايعنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيعة الحرب على السمع و الطاعة في عسرنا و يسرنا، و منشطنا و مكرهنا و أثرة علينا، و أن لا ننازع الأمر أهله، و أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في اللَّه لومة لائم.
قال ابن إسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد اللَّه بن كعب بن مالك. قال: فلما بايعنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط؟ يا أهل الجباجب- و الجباجب المنازل- هل لكم في مذمم و الصباء معه قد اجتمعوا على حربكم. قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هذا أزب العقبة، هذا ابن أزب». قال ابن هشام: و يقال ابن أزيب. «أ تسمع أي عدو اللَّه؟ و أما و اللَّه لا تفرغن لك. ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ارفضوا الى رحالكم» قال فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول اللَّه و الّذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لم نؤمر بذلك و لكن ارجعوا إلى رحالكم».
قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا:
يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا و تبايعونه على حربنا. و إنه و اللَّه ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا و بينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء و ما علمناه، قال و صدقوا لم يعلموا، قال و بعضنا ينظر إلى بعض. قال ثم قام القوم و فيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي و عليه نعلان له جديدان، قال فقلت له كلمة- كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا- يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ و أنت سيد من سادتنا مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟ قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى، قال و اللَّه لتنتعلنهما، قال يقول أبو جابر مه أحفظت و اللَّه الفتى فاردد اليه نعليه. قال قلت و اللَّه لا أردهما، فأل و اللَّه صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه.
قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللَّه بن أبى بكر أنهم أتوا عبد اللَّه بن أبى بن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الأمر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا [١] على مثل هذا و ما علمته كان. قال فانصرفوا عنه، قال و نفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر و المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج و كلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، و أما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه و يجذبونه بجمته- و كان ذا شعر كثير-. قال سعد:
[١] كذا في الأصلين. و في ابن هشام ليتفوتوا عليّ. و قوله فتنطس. قال السهيليّ: التنطس تدقيق النظر.