البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
بالكعبة فقال يا ابن أخى أخبرنى بما رأيت و سمعت فأخبره فقال له ورقة و الّذي نفسي بيده انك لنبي هذه الأمة و لقد جاءك الناموس الأكبر الّذي جاء موسى، و لتكذبنه و لتؤذينه و لتخرجنه و لتقاتلنه، و لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن اللَّه نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى منزله».
و هذا الّذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة رضى اللَّه عنها فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح. و يحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ و يحتمل أنه كان بعده بمدة و اللَّه أعلم.
و قال موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال و كان فيما بلغنا أول ما رأى يعنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن اللَّه تعالى أراه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها اللَّه عن التكذيب و شرح صدرها للتصديق فقالت أبشر فان اللَّه لم يصنع بك إلا خيرا ثم إنه خرج من عندها ثم رجع اليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل و طهر ثم أعيد كما كان قالت هذا و اللَّه خير فأبشر ثم استعلن له جبريل و هو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول أجلسنى على بساط كهيئة الدرنوك فيه الياقوت و اللؤلؤ فبشره برسالة اللَّه عز و جل حتى اطمأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ». قال و يزعم ناس أن «يا أيها المدثر» أول سورة نزلت عليه و اللَّه أعلم. قال فقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رسالة ربه و اتبع ما جاءه به جبريل من عند اللَّه فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمرّ على شجر و لا حجر إلا سلّم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا عظيما فلما دخل على خديجة قال أ رأيتك التي كنت حدّثتك أنى رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن إليّ أرسله إليّ ربى عز و جل و أخبرها بالذي جاءه من اللَّه و ما سمع منه فقالت أبشر فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا و اقبل الّذي جاءك من أمر اللَّه فإنه حق و أبشر فإنك رسول اللَّه حقا. ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس فقالت له يا عداس أذكرك باللَّه إلا ما أخبرتنى هل عندك علم من جبريل فقال: قدوس قدوس ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان. فقالت: أخبرنى بعلمك فيه. قال فإنه أمين اللَّه بينه و بين النبيين و هو صاحب موسى و عيسى (عليهما السلام). فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما ألقاه اليه جبريل. فقال لها ورقة: يا بنية أخى ما أدرى لعل صاحبك النبي الّذي ينتظر أهل الكتاب الّذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، و أقسم باللَّه لئن كان إياه ثم