البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - فصل
يعودون اليه إلى يوم القيامة، ثم جاوز مراتبهم كلهم حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، و رفعت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سدرة المنتهى و إذا ورقها كآذان الفيلة، و نبقها كقلال هجر، و غشيها عند ذلك أمور عظيمة ألوان متعددة باهرة و ركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة و فراش من ذهب و غشيها من نور الرب جل جلاله و رأى هناك جبريل (عليه السلام) له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء و الأرض و هو الّذي يقول اللَّه تعالى وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى أي ما زاغ يمينا و لا شمالا و لا ارتفع عن المكان الّذي حد له النظر اليه. و هذا هو الثبات العظيم و الأدب الكريم و هذه الرؤيا الثانية لجبريل (عليه السلام) على الصفة التي خلقه اللَّه تعالى عليها كما نقله ابن مسعود و أبو هريرة و أبو ذر و عائشة رضى اللَّه عنهم أجمعين. و الاولى هي قوله تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى و كان ذلك بالأبطح، تدلى جبريل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سادا عظم خلقه ما بين السماء و الأرض حتى كان بينه و بينه قاب قوسين أو أدنى، هذا هو الصحيح في التفسير كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضى اللَّه عنهم. فاما قول شريك عن أنس في حديث الاسراء ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقد يكون من فهم الراويّ فاقحمه في الحديث و اللَّه أعلم. و إن كان محفوظا فليس بتفسير للآية الكريمة بل هو شيء آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة و اللَّه أعلم.
و فرض اللَّه سبحانه و تعالى على عبده محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و على أمته الصلوات ليلتئذ خمسين صلاة في كل يوم و ليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى و بين ربه عز و جل حتى وضعها الرب جل جلاله و له الحمد و المنة إلى خمس. و قال هي خمس و هي خمسون الحسنة بعشر أمثالها، فحصل له التكليم من الرب عز جل ليلتئذ، و أئمة السنة كالمطبقين على هذا، و اختلفوا في الرؤية فقال بعضهم رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس و طائفة، و أطلق ابن عباس و غيره الرؤية و هو محمول على التقييد، و ممن أطلق الرؤية أبو هريرة و أحمد بن حنبل رضى اللَّه عنهما، و صرح بعضهم بالرؤية بالعينين و اختاره ابن جرير و بالغ فيه و تبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. و ممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيليّ عنه، و اختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. و قالت طائفة لم يقع ذلك لحديث أبى ذر في صحيح مسلم. قلت: يا رسول اللَّه هل رأيت ربك؟ فقال: «نوراني أراه» و في رواية «رأيت نورا». قالوا و لم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية و لهذا قال اللَّه تعالى لموسى فيما روى في بعض الكتب الإلهية يا موسى إن لا يراني حي إلا مات، و لا يابس إلا تدهده و الخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف و الخلف و اللَّه أعلم. ثم هبط رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بيت المقدس