مستند تحرير الوسيلة - جمعى از محققين - الصفحة ٢٤٦ - الوجوه المستدلّ بها لجواز تقليد الميّت مطلقاً
وأنت من العقلاء فارجع إلى نفسك، فهل ترى أنّك لو مرضت بمرض ذا أهمّية، ووجدت عندك طبيباً حيّاً يمكنك الرجوع إليه، مع كونه مخالفاً للميّت في تشخيص الداء وكيفية علاجه وبيان الدواء، فهل ترى نفسك مخيّرة بين الرجوع إليه أو إلى الميّت، فماذا ترى وتحكم أيّها العاقل اللبيب؟!
نعم، فيما إذا اتّفقا في الرأي، أو لم يحصل الشكّ والترديد بالنسبة إلى استدامة التقليد عن الميّت، أو حصل العلم من قول الميّت وكتابه، أو جزم بأعلمية الميّت ...
أو غير ذلك من الوجوه، فإنّهم يرجعون إلى الميّت، ولكن كلّ هذا خارج عن محلّ النزاع.
وبالجملة: لو لم نقل ببنائهم على عدم الرجوع إلى الميّت مع التمكّن من الحيّ المخالف له في الرأي والفتوى، فلا أقلّ من الشكّ في تحقّق البناء، ومعه لا وجه للتمسّك به.
والشاهد على ذلك: أنّ العوامّ بعد العلم بموت من كانوا يقلّدونه، يتحيّرون ويتساءلون عمّن يصلح للمرجعية والتقليد؛ حتّى يراجعوه: إمّا في أصل التقليد أو في مسألة البناء وعدمه، فلو كان البناء كما ادّعي لما كان لهذا التحيّر والتساؤل وجه.
وأمّا الاعتداد بأقوال الأموات من العلماء والفقهاء، والاهتمام بضبط آرائهم ومصنّفاتهم والمراجعة إلى كتبهم، فليس شيء من ذلك دليلًا على تحقّق البناء من العقلاء على العمل بآراء الأموات وأقوالهم؛ حيث لا يعدّ ذلك تقليداً، بل كلّ ذلك- من ناحية العلماء والأخصّائيّين- إنّما هو لأجل الفحص والتفتيش عن الآراء والأقوال وما أفاده الأقدمون والسابقون من المطالب العلمية حول المسائل؛ ليحصل لهم الاطمئنان بما فهموه من الأدلّة ولا يقعوا في مخالفة الإجماع أو الشهرة، ولا يتسرّعوا إلى رأي شاذّ متفرّد.