تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٥٧٣
ثم ذكر سبحانه المتقين وأمر بتقديمهم وتقريبهم، فقال: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) * يعبدونه * (بالغدوة والعشي يريدون وجهه) * يطلبون ثوابه ويبتغون مرضاته، والوجه يعبر به عن ذات الشئ وحقيقته.
روي: أن رؤساء قريش قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): لو طردت هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المؤمنين - جلسنا إليك، فقال (عليه السلام): ما أنا بطارد المؤمنين، قالوا:
فأقمهم عنا إذا جئنا، قال: نعم، طمعا في إيمانهم فأنزل الله عليه هذه الآية [١].
* (ما عليك من حسابهم من شئ) * كقوله: * (إن حسابهم إلا على ربى) * [٢]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، والمعنى: ولو كان الأمر كما يقولون عند الله فما عليك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان باطنهم غير مرضي فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم، كقوله: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * [٣]، وقيل: إن الضمير للمشركين [٤] والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، وقوله: * (فتطردهم) * جواب النفي و * (فتكون) * جواب النهي، ويجوز أن يكون عطفا على * (فتطردهم) * على وجه التسبيب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم [٥]، وقرئ: " بالغدوة والعشي " [٦] [٧].
[١] رواها السمرقندي في تفسيره: ج ١ ص ٤٨٧ عن سعد بن أبي وقاص، والرازي في
تفسيره: ج ١٢ ص ٢٣٤ عن ابن مسعود، وراجع أسباب النزول للواحدي: ص ١٧٨ - ١٧٩.
[٢] الشعراء: ١١٣.
[٣] الأنعام: ١٦٤، الاسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧.
[٤] قاله الرازي في تفسيره: ج ١٢ ص ٢٣٦.
[٥] وهو اختيار الزمخشري في الكشاف: ج ٢ ص ٢٨.
[٦] قرأه ابن عامر. راجع التبيان: ج ٤ ص ١٤٤، وتفسير السمرقندي: ج ١ ص ٤٨٧، وكتاب
السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص ٢٥٨. (٧)
[٧] قال البلخي: قراءة ابن عامر غلط، لأن العرب إذا أدخلت الألف واللام قالوا: الغداة،
يقولون: رأيتك بالغداة، ولا يقولون: بالغدوة، فإذا نزعوا الألف واللام قالوا: رأيتك غدوة، وإنما
كتبت الواو في المصحف كما كتبوا " الصلاة " و " الزكاة " و " الحياة " كذلك. وقال أبو علي
الفارسي: الوجه " الغداة "، لأنها تستعمل نكرة وتتعرف باللام، فأما " غدوة " فمعرفة أبدا، وهو
علم صيغ له. وقال سيبويه: غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا " أم
حنين " اسما لدابة معروفة كذلك هذا. انظر التبيان: ج ٤ ص ١٤٥.