صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٠٩ - رسالة
يرون الاستعانة بأي شيء الاستعانة بمبدأ الخلق، وهذا أحد الفروق الموجودة بينهم وبين الآخرين. إننا وامثالنا نغفل عن الحق بالنظر إلى الخلق والاستعانة بهم. وكان هؤلاء يعتبرون الاستعانة منه حسب الواقع وإن كانت في الظاهر استعانة بالأدوات والأسباب، وكانوا يعتبرون الأحداث منه وإن هي عندنا حسب الظاهر ليس كذلك. ولذلك فإن الأحداث مهما كانت مؤلمة لنا تعتبر عذبة في مذاق نفوسهم.
بُني! إن شيئاً واحداً يثلج الصدر لأمثالنا المتأخرين عن ركب الأبرار وهو في رأيي قد يكون مؤثراً في بناء الانسان الذي يهذب نفسه. علينا أن ننتبه إلى أن مصدر حبنا للمديح وكرهنا للنقد والاشاعات حب النفس وهو اكبر شرك لأبليس اللعين. نحن نرغب في أن يثني علينا الآخرون وإن ضخموا لنا الأعمال الصالحة الوهمية مئات الأضعاف، وأن يغلق علينا باب النقد- ولو كان صحيحاً- أو أن يتحول إلى المديح والإطراء. إننا نحزن من تتبع الآخرين لعيوبنا لا لأنه مخالف للحق، ونفرح من المديح لا لأنه موافق للحق، بل لانه يعيبني ولا يمدحني. إن الأنا هي التي تحكمنا هنا وهناك وفي كل مكان فلو أردت إدراك صحة هذا الأمر فانظر إذا ما صدر عمل عنك وصدر مثله أو أفضل منه عن غيرك خاصة إذا كان من أندادك وقام المادحون بمدحه وإطرائه فإن ذلك سيؤلمك. والأشد من ذلك إذا مدحوه في عيوبه فاعلم في هذه الحالة علم اليقين أن ذلك من صنع الشيطان والنفس التي هي أسوأ منه.
بُني! ما أحسن أن تلقّن نفسك وتوطّنها على أن مدح المادحين وإطراءهم قد يهلك الانسان ويبعده كثيراً عن التهذيب. إن تأثير الثناء الجميل السلبي في نفوسنا المريضة باعتبارنا ضعاف النفوس قد يكون سبباً للشقاء والبعد عن محضر الحق- جل وعلا- المقدس.
وقد يكون لتتبع الآخرين لعيوبنا ونشر الاشاعات فوائد في معالجة عيوب نفوسنا وهو كذلك كالعملية الجراحية المؤلمة التي تسبب شفاء المريض. إن من يبعدوننا عن جوار الحق بمدائحهم أصدقاء يعادوننا بصداقتهم، وإن من يظنون أنهم يعادوننا بذكر عيوبنا وتوجيه الشتائم الينا ونشر الاشاعات ضدنا فانهم أعداء يصلحوننا بأعمالهم إذا كنا جديرين بالاصلاح فلو أننا صدقنا هذه الحقيقة وتركنا مكائد الشيطان والنفس سنرى الحقيقة كما هي عند ذلك سنقلق كثيراً من مدح المادحين وإطرائهم، كما نقلق اليوم من تتبع الأعداء لعيوبنا ونشرهم للإشاعات، ونرحب بذكر عيوبنا كما نرحب اليوم بالمدائح وترهات المادحين. فلو بلغ قلبك ما ذكر فإن المكاره ونشر الأكاذيب لا تزعجك ويكون لديك الطمأنينة القلبية إذ أن القلق يأتي من الأنانية. نجّانا الله برحمته منه.
ثالثاً. وهناك احتمال آخر وهو أن يكون الخطاب موجهاً إلى اصحاب الايمان من الخواص من اهل المعرفة المتيمين بمقام الربوبية وعشاق جمال الجميل الذين يرون الكائنات تجلياً للحق بعين القلب والمعرفة الباطنية ويشاهدون نور الله في المرئيات حيث أدركوا بالمشاهدة المعنوية والسير القلبي