صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٥٣ - رسالة
ماتوا انتبهوا) [١] وكأن جهنم محيطة بنا ولكن حجاب الطبيعة يمنعنا من الشهود والإحساس (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) [٢] إن للكفرمراتب فإن التكبر والانخداع بالعالم المادي والنظر إلى غيره من مراتب الكفر. فلو أننا نظرنا إلى السورة الأولى في القرآن وتدبرنا فيها بعين غير هذه العين الحيوانية التي لدينا بعيداً عن الحجب المظلمة والمنيرة، فإن ينابيع المعرفة ستتدفق إلى القلب ولكننا مع الأسف نجهل حتى مفتاحها فمن عرف لم يخبر أحداً بما عرف [٣]. إنني قائل جاهل غير عامل وأقول لابنتي أن تدبري في القرآن الكريم هذا الينبوع الفياض بالفيض الالهي وإن كانت تلاوته لوحدها ستترك آثاراً جذابة لأنه من المحبوب إلى مستمع محجوب بالحجب. ولكن التدبر فيه يوصل الانسان إلى مراحل سامية (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [٤] وما لم تفتح هذه الأقفال والقيود ولم يتم تحطيمها فلا تحصل نتيجة من التدبر نفسه، فقد قال الله تعالى بعد القسم العظيم (انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لايمسه إلّا المطهرون) [٥] وإن أكبر مصاديق المطهرين هم الذين نزلت بحقهم آية التطهير. وأنت لا تيأسي فاليأس من الأقفال الكبيرة واعملي جاهدة قدر المستطاع على رفع الحجب وكسر الأقفال للوصول إلى الماء الزلال وينبوع النور. ومادام الشباب لديك فاعملي في تهذيب القلب وكسر الأقفال ورفع الحجب فآلاف الشبان يفوزون ولا يفوز شيخ واحد إذ أنهم أقرب إلى أفق الملكوت. إن القيود والأقفال الشيطانية إن غفل عنها الانسان في الشباب فانها تتعزز وتستحكم جذورها كلما مرّ العمر وانقضى. إن الشجرة الفتية يمكن اقتلاعها بقوة شخص واحد فإن تركتها ردحاً من الزمان فلن تستطيعي اقتلاعها بقدرة من في الأرض. إن من مكائد الشيطان ومكائد النفس التي هي أخطر منه هي أنهما يعدان الانسان بالصلاح في آخر العمر وعند الشيخوخة مما يؤدي إلى تأجيل التهذيب والتوبة إلى الله إلى اليوم الذي استحكمت جذور شجرة الفساد وشجرة الزقوم وضعفت عزيمة القيام بالتهذيب بل ماتت في الانسان. لا أريد أن أبتعد عن القرآن فإن في هذه المخاطبة بين الحبيب والمحبوب والمناجاة بين العاشق والمعشوق أسراراً لا يدركها أحد كما لايمكن الخوض فيها أبداً. وقد تكون الحروف المقطعة في بعض السور مثل (الم) (ص) (يس) من تلك الأسرار، كما أن كثيراً من الآيات الكريمة، التي يفسرها أهل الظاهر والفلاسفة والمتصوفة والعرفاء كل على حسب تصوره، من هذا القبيل وإن كان كل فريق ينال حظاً على أساس استيعابه، وإن جانباً من هذه الأسرار ينتقل إلى الاخرين على قدر مؤهلاتهم عبر
[١] (١) بحار الأنوار ٤٣: ٤/ ١٨.
[٢] (٢) سورة التوبة، الآية ٤٩، وسورة العنكبوت، الآية ٥٤.
[٣] (٣) شطر من أبيات كتاب كلستان للشاعر الايراني سعدي الشيرازي، ديوان سعدي ٣٠ الديباجة.
[٤] (٤) سورة محمد، الآية ٢٤.
[٥] (٥) سورة الواقعة، الآيات ٧٧- ٧٩.