صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٥٢ - رسالة
بنيّتي! إن الانشغال بالعلوم وحتى العرفان والتوحيد إن كان بهدف جمع المصطلحات- وهو كذلك- وبهدف هذه العلوم نفسها لن توصل السالك إلى هدفه بل تبعده عن ذاك. العلم هو الحجاب الأكبر. وإذا كان الهدف طلب الحق وحبّه وهو نادر جداً، فإنه سيكون سراجاً للطريق ونوراً للهداية (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء) [١] وإن بلوغ جزء منه يتطلب التهذيب والتطهير والتزكية. تهذيب النفس وتطهير القلب من غيره، فما بالك بالتهذيب من الأخلاق المذمومة التي يتطلب الخلاص منها جهاداً كبيراً وكذلك تهذيب العمل مما يخالف رضاه- جل وعلا-. والمواظبة على الأعمال الصالحة نظير الواجبات التي هي في المقدمة والنوافل قدر المستطاع، حتى لايصاب الانسان بالغرور والتكبر.
بنيّتي! إن التكبر والغرور يمثلان غاية جهل الانسان بحقارته وعظمة الخالق. فلو نظر الانسان إلى عظمة الخلق حسب ما توصلت إليه العلوم الحديثة التي كشفت قليلًا منها فإنه سيدرك حقارته وحقارة المجموعة الشمسية والمجرات وسيشعر بالخجل من تكبره كما يشعر بجهله. ففي قصة سليمان- عليه السلام- أنه عندما كان يمر بوادي النمل: (قالت نملة ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) [٢] فقد وصفت النملة النبي سليمان وجنوده بأنهم لايشعرون ويقول له الهدهد: (أحطت بما لم تحط به) [٣] إن من عميت قلوبهم لا يتحملون نطق النملة والطير فكيف يمكنهم تحمل نطق ذرات الوجود وما في السموات والأرض حيث قال خالقها ... (إلّا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) [٤].
إن الانسان الذي يعتبر نفسه محور الخلق- وهو صحيح بالنسبة للانسان الكامل- قد لايكون كذلك في نظر سائر الكائنات، والانسان الذي لم يبلغ الكمال ليس كذلك (مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار) [٥] فهذا يشمل التطور العلمي الذي يفتقر إلى التهذيب فقد ورد في وصف هؤلاء قوله عزّ من قائل: (كالأنعام بل هم أضل) [٦].
بنيتي! لقد بعث الأنبياء بهدف إيصال البشر للكمال المعنوي وإنقاذهم من الحجب فوا أسفاً إن الشيطان الذي أقسم، قد منع الأنبياء من تحقيق ما كانوا يريدونه (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) [٧] وقد فعل ذلك على يد أتباعه. إننا جميعاً نيام ونعاني من الحجب (الناس نيام وإذا
[١] (١) بحار الانوار ٢٢٥: ١/ ١٧.
[٢] (٢) سورة النمل، الآية ١٨.
[٣] (٣) سورة النمل، الآية ٢٢.
[٤] (٤) سورة الاسراء، الآية ٤٤.
[٥] (٥) سورة الجمعة، الآية ٥.
[٦] (٦) سورة الاعراف، الآية ١٧٩.
[٧] (٧) سورة ص، الآية ٨٢.