صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٠٧ - رسالة
متوقف عن السير أو متراجع. وهذا مما يحتاج إلى المراقبة والمحاسبة. إذا كان ملك الجنّ والانس لأحد بدافع الهي بل حتى إذا حصل عليه بتلك الدوافع فانه عارف بالله وزاهد في الدنيا. واذا كانت الدوافع نفسانية وشيطانية فكل ما يحصل عليه ولوكان مسبحة فقد ابتعد عن الله تعالى بنفس القدر.
يابُني! اقرأ سورة الحشر المباركة حيث تحتوي على خزائن المعرفة والتربية وهي تستحق أن يتدبر فيها انسان طول عمره ليكسب منها زاد الآخرة بالعون الالهي. خاصة آياتها الأخيرة حيث يقول الله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) [١] حتى نهاية السورة فهذه الآية الصغيرة لفظاً الكبيرة معنى تحتمل أفكاراً بناءة تنبّه الانسان منها:
أولًا. يمكن أن تخاطب الذين هم في المرحلة الأولى من الإيمان مثل إيمان عامة الناس، ففي هذا الاحتمال فإن الأمر بالتقوى هو الأمر بأول مراتبها. وهي تقوى العامة وهي تجنب مخالفة الأحكام الظاهرية الالهية وتتعلق بأعمال الأعضاء والجوارح. وعلى هذا الاحتمال فإن جملة (ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ) تحذر من تبعات أعمالنا وهي تشهد على أن ما نقوم به من أعمال تنتقل إلى النشأة الأخرى وسوف تصل إلينا وقد وردت في ذلك آيات وأخبار كثيرة.
إن التفكير في هذا الأمر يكفي القلوب الواعية بل يوقظ القلوب المستعدة لذلك وقد يكون دليلًا على المراتب الأخرى والمقامات الأسمى- والظاهر هو أن تكرار الأمر بالتقوى تأكيد وإن كانت تحتمل أمراً آخر أيضاً. وقوله: (إن الله خبير بما تعملون) تحذير جديد من أن أعمالكم لن تخفى على الله تعالى إذ أن العالم محضر الحق تعالى.
ثانياً. يمكن أن تخاطب الآية ممن أوصلوا الايمان إلى قلوبهم. فربما يؤمن انسان بالشهادتين حسب الظاهر ولكن قلبه يكون غافلًا عنها، وأن يكون عالماً معتقداً بالأصول الخمسة دون أن يبلغ هذا العلم والايمان قلبه، وقد يكون الجميع كذلك إلّا الخواص من المؤمنين. وإن المعاصي التي تصدر عن بعض المؤمنين تأتي من ذلك، فإذا كان القلب واعياً بيوم الجزاء والعقاب مؤمناً به، يستبعد أن تصدر عنه المعصية والعصيان. ومن آمن قلبه بعدم وجود إله إلّا الله سوف لن يميل إلى غير الحق تعالى ولا يمدح الآخرين ولن يخاف غيره.
بُني! قد أجدك قلقاً على التهم الموجهة اليك والإشاعات الكاذبة حزيناً عليها. فعليّ أن أقول أولًا بأنك ما دمت حياً وتتحرك واعتبرك الآخرون مصدراً للتأثير، فإن الانتقاد والتهمة ونسج الإشاعات ضدك موجود لا محالة. إن العقد كثيرة والتوقعات تزداد يومياً والحسد كثير. إن من يعمل خالصاً لله لن يسلم من أذى أصحاب النوايا السيئة. فلقد رأيت عالماً تقياً كان الجميع
[١] (١) سورة الحشر، الآية ١٨.