صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٠٨ - رسالة
يذكرونه بالخير قبل أن ينال رئاسة صغيرة وكان أهل العلم وغيرهم يجلّونه ولكن عندما حظي بإهتمام الناس واشتهر في الدنيا- ولو قليلًا- لأجل منصبه وجّهت إليه التهم وأوذي كثيراً وفارت الأحقاد والعقد والحسد ضده، وبقي يعاني من ذلك طالما كان على قيد الحياة. وثانياً عليك أن تعلم أن الايمان بوحدة الله ووحدة المعبود ووحدة المؤثر لم يبلغ قلبك كما ينبغي. فحاول إيصال كلمة التوحيد- التي هي اكبر كلمة وأسمى جملة- من عقلك إلى قلبك فإن حظ العقل هو الاعتقاد البرهاني الجازم فإن حصل هذا البرهان ولم ينقل إلى القلب بالمجاهدة والتلقين سيكون أثره ضئيلًا.
وكم من أصحاب البراهين العقلية والاستدلالات الفلسفية، يقعون في شرك إبليس والنفس الخبيثة اكثر من غيرهم. إن لأصحاب الاستدلال أرجلًا خشبية [١] وإن هذه الخطوة البرهانية العقلية تتحول إلى خطوة روحانية ايمانية عندما تبلغ مقام القلب من أفق العقل حتى يصدّق القلب ما أثبته الاستدلال عقلياً.
بُني: اجتهد لكي تسلّم قلبك لله ولا ترى في الكون مؤثراً غيره، ألا يصلي عامة المسلمين المتعبدين عدة مرات في الليل والنهار وتتضمن الصلاة التوحيد والمعارف الالهية ويرددون (اياك نعبد وإياك نستعين) عدة مرات في الليل والنهار، ويعتبرون العبادة والإعانه لله تعالى في الكلام. ولكنهم جميعاً ينحنون أمام العالم والغني والقوي إلا المؤمنين بالحق والخواص من عباد الله. وإن اولئك قد يفعلون للعباد ما لا يفعلونه لله ويستمدون من كل شخص ويستعينون به ويتشبثون بالحشائش لبلوغ الآمال الشيطانية وهم غافلون عن الحق، فلو احتملت الآية أن يكون الخطاب فيها لمن بلغ الايمان قلوبهم فإن الأمر بالتقوى لهؤلاء يختلف كثيراً عن الاحتمال الأول. إن هذه التقوى ليست تقوى عن الاعمال غير الصالحة بل هي التقوى عن الالتفات نحو غير الحق، والتقوى عن الاستعانة بغير الحق والعبودية لغيره، والتقوى عن السماح لغيره- جلّ وعلا- للدخول في قلبه. والتقوى عن الاعتماد والتوكل على غير الله. إن ما تراه يعاني منه الجميع من أمثالنا وإن ما يثير خوفنا وخوفك من الاشاعات ونشر الأكاذيب، يشبه خوفنا من الموت والخلاص من الطبيعة يجب تجنبه. ففي هذه الحالة فإن المراد من قوله (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) هو الأعمال القلبية التي لها صورة في الملكوت وصورة أخرى فيما فوقه. وإن الله خبير بخطرات القلوب ولا يعني ذلك أن تتخلى عن أي نشاط وتهمل الأمور وتعتزل الجميع وتترك كل شيء وتعش في العزلة إذ أن ذلك يخالف سنّة الله وسيرة الانبياء العظام العملية وسيرة الأولياء الكرام. إنهم- عليهم صلوات الله وسلامه- قد بذلوا مساعيهم اللازمة للأهداف الالهية الإنسانية، ولكن لم يكونوا مثلنا إذ نلتفت إلى الأسباب مع الاستقلال، بل كانوا يعتبرون كل شيء في هذا المقام الذي هو من مقاماتهم العادية، منه- جلّ وعلا- وكانوا
[١] (١) مثنوي معنوي، الدفتر الأول: ١٠٥/ ٢١٢٨.