مباحث حول النبوات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٠ - الإفادة الرابعة عشر حجية الإدراك العقلي
كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس شيء من الدنيا يغنيك.
يا هشام: إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل، وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام: إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة ومطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام: من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين، فليتضرّع إلى الله في مسألته، بأن يُكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يُدرك الغنى أبداً.
يا هشام: إنّ الله جلّ وعزّ حكى عن قوم صالحين، أنّهم قالوا:(رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [١] حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها، إنّه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يُبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحدٌ كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدِّقاً، وسرّه لعلانيته موافقاً، لأنّ الله لم يدلّ على الباطن الخفي من العقل إلّا
[١] سورة آل عمران: الآية ٨.