مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٥ - المعجزة اصطلاحاً وشروطها
وبعبارة اخرى: إنّما يكون اتّصافها بالإعجاز عند الغير لا عند هذا الشخص.
الرابع: كون ذلك الأمر خارقاً للعادة الطبيعيّة، وخارجاً عن حدود القدرة البشريّة، وفيه إشارة إلى أنّ المعجزة تستحيل أن تكون خارقةً للقواعد العقليّة، وهو كذلك؛ ضرورة أنّ القواعد العقليّة غير قابلة للانخرام، كيف؟ وإلّا لا يحصل لنا القطع بشيء من النتائج، ولا بحقيقة من الحقائق؛ فإنّ حصول القطع من القياس المركّب من الصغرى والكبرى- بما هو نتيجته- إنّما يتفرّع على ثبوت القاعدة العقليّة الراجعة إلى امتناع اجتماع النقيضين؛ ضرورة أنّ حصول العلم بحدوث العالم مثلًا من القياس المركّب من: «العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث» إنّما يتوقّف على استحالة اتّصاف العالم بوجود الحدوث وعدمه معاً؛ ضرورة أنّه بدونها لا يحصل القطع بالحدوث في مقابل العدم، كما هو غير خفيّ.
وكذلك العلم بوجود البارئ- جلّت عظمته- من طريق البراهين الساطعة القاطعة الدالّة على وجوده، إنّما يتوقّف على استحالة كون شيء متّصفاً بالوجود والعدم معاً في آنٍ واحد، وامتناع عروض كلا الأمرين في زمان فارد، بداهة أنّه بدونها لا مجال لحصول القطع بالوجود في مقابل العدم، كما هو ظاهر.
فالقواعد العقليّة خصوصاً قاعدة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، التي إليها ترجع سائر القواعد، وعليها يبتني جميع العلوم والمعارف، بعيدة عن عالم الانخراق والانخرام بمراحل لا يمكن طيّها أصلًا.
ويدلّ على ما ذكرنا من استحالة كون المعجزة خارقةً للقواعد العقليّة في خصوص المقام: أنّ الغرض من الإتيان بالمعجزة إثبات دعوى المدّعي واستكشاف صدقه في ثبوت المنصب الإلهي، فإذا فرضنا إمكان تصرّف المعجزة في القواعد العقليّة وانخرامها بها، لا يحصل الغرض المقصود منها؛ فإنّ دلالتها على صدق مدّعي النبوّة مثلًا إنّما تتمّ على تقدير استحالة اتّصاف شخص واحد في زمان