شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ١٨٢ - حكم تقديم الحال على صاحبه
.................................................................................................
______________________________________________________
والثالث : أنّ (كآفة) حال من (الناس) ، والأصل : للناس كافة ، أي :جميعا ، وهذا هو الصحيح ، وهو مذهب أبي علي وابن كيسان ، أعني تقديم حال المجرور بحرف ، حكاه ابن برهان وقال : وإليه نذهب ، كقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) و (كآفة) حال من (الناس ،) وقد تقدم على المجرور باللام ، وما استعملت العرب (كافة) قط إلّا حالا. كذا قال ابن برهان [١] ، وكذا أقول [٢].
ولا يلتفت إلى قول الزمخشري [والزجاج. أما الزمخشري][٣] فإنّه جعل (كافّة) صفة ، ولم تستعمله العرب إلا حالا ، وهذا شبيه بما فعل في خطبة المفصل من إدخال باء الجرّ عليه ، وإضافته ، والتعبير به عمّا لا يعقل [٤].
وليته إذ أخرج (كافة) عن استعمال العرب سلك به سبيل القياس ، بل جعله صفة لموصوف محذوف ، لم تستعمله العرب مفردا ولا مقرونا بصفة ـ أعني إرساله ـ وحق الموصوف المستغني بصفته أن يعتاد ذكره مع صفته قبل الحذف ، وأن لا تصلح الصفة لغيره ، والمشار إليه بخلاف ذلك فوجب الإعراض عمّا أفضى إليه.
وأمّا الزجاج فبطلان قوله بيّن أيضا ؛ لأنّه جعل (كافّة) حالا من مفرد ولا يعرف ذلك في غير محل النزاع ، وجعله من مذكر مع كونه مؤنثا ، ولا يتأتّى ذلك إلا بجعل تائه للمبالغة وبابه مقصور على السماع ، ولا يأتي غالبا ما هي فيه إلّا على أحد أمثلة المبالغة كنسّابة ، وفروقة ، ومهذارة ، وكافة بخلاف ذلك ، فبطل أن تكون منها ، لكونها على فاعلة ، فإن [حملت على راوية][٥] حملت على شاذ الشاذ ؛ لأنّ لحاق تاء المبالغة [لأحد أمثلة المبالغة][٦] شاذ ، ولما لا مبالغة فيه أشذّ ، فيعبر عنه بشاذ الشاذ ، والحمل على الشاذ مكروه ، فكيف على شاذ الشاذ.
وإذا بطل القولان تعيّن الحكم بصحة القول الثالث ، وهو أن يكون الأصل : وما أرسلناك إلا للناس كافة [٣ / ٧٠] ، فقدّم الحال على صاحبه مع كونه مجرورا. ومن أمثلة أبي علي في التذكرة : «زيد خير ما تكون خير منك» على أنّ المراد : زيد خير ـ
[١]ينظر : شرح اللمع لابن برهان (١ / ١٣٧ ، ١٣٨).
[٢] القائل هو ابن مالك فهذا نصه وكلامه.
[٣]تكملة من شرح المصنف (٢ / ٣٣٧).
[٤] حيث قال : «ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأدب إلى معرفة كلام العرب ... لإنشاء كتاب في الإعراب ، محيط بكافة الأبواب ...» المفصل (ص ٥).
(٥ ، ٦) تكملة من شرح المصنف (٢ / ٣٣٨) ، سقطت من المخطوط.