شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٦٨ - تعدد المستثنى منه
.................................................................................................
______________________________________________________
قال المصنف : واتفق العلماء على تعليق الشّرط بالجميع في نحو : لا تصحب زيدا ولا تزره ، ولا تكلّمه إن ظلمني ، واختلف في الاستثناء في نحو : لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلّا تائبا من الظّلم ؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع [١] ، وهو الصحيح ؛ للإجماع على سدّ كلّ منهما مسدّ الآخر في نحو : اقتل الكافر إن لم يسلم ، واقتله إلّا أن يسلم [٢]. انتهى كلامه.
وهذه المسألة ـ أعني التي يتعدّد فيها الاستثناء حملا ـ قد تكلّم عليها في أصول الفقه ، وانتهت الأقوال إلى ستة ؛ منها : القولان المشهوران : أحدهما : رجوع الاستثناء إلى الجميع ، وهو رأي الشافعي. والثاني : رجوعه إلى الجملة الأخيرة وهو رأي أبي حنيفة ، وقيّد الأصوليّون الجمل بكونها معطوفة بالواو ، ولم يتعرّض المصنف له وقيّد المصنف المعمول بكونه واحدا في المعنى ، ولم يجعل أصحاب الأصول ذلك قيدا إلّا رأي منسوب لأبي الحسين في تفصيل نقلوه عنه في المسألة المذكورة وقد فرّق الأصوليون بين الاستثناء والشرط ، بأنّ الشرط مقدّر التقديم ، وإذا قدّر تقديمه انسحب حكمه على المذكور بعد ، بخلاف الاستثناء ، فلا يلزم عوده إلى جميع ما تقدّم ، ونقل الشيخ عن المهاباذيّ [٣] ، أنّه قال في شرح اللمع له :إذا استثني من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلّا من الجملة التي تليه ، نحو قوله تعالى : (وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا)[٤] فالّذين تابوا مستثنى من الفاسقين ، لا غير. وحمله على أنّه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر ؛ لأنّه لا يجوز أن يكون معمولا لعاملين [٣ / ٤٤] مختلفين ، ويستحيل ذلك ، ولأنّك لو حملته على أنّه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام : فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا [٥]. ـ
ـ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ) ، (فَاجْلِدُوهُمْ) ، (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً) ، (وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ).
[١]مذهب أبي حنيفة أن الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة فقط. ينظر : أصول السرخسي (٢ / ٤٤ ، ٤٥).
[٢]ينظر : شرح التسهيل لابن مالك (٢ / ٢٩٥).
[٣] هو أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني. ينظر : البغية (ص ١٣٨).
[٤] سورة النور : ٤ ، ٥.
[٥]ينظر : التذييل والتكميل (٣ / ٥٨٥) ، والارتشاف (٢ / ٣١٠) ، والبحر المحيط (٦ / ٤٣٣).