فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٦ - تحديد النسـل والتعقيــم / ١ / آية اللّه السيّد محسن الخرازي
هذا كلّه بالنسبة إلى كبرى حرمة الضرر والإضرار ، فلا وجه للخدشة فيها بعد وضوح ما عرفت .
كما لا وجه للمناقشة في صغراها بدعوى : « أنّ الإقدام على التعقيم إذا كان عن داعٍ عقلائي ـ كما إذا كان لها أو لهما غرض أهمّ عندهما من مسألة توليد النسل بكثير ، مثل أن يكون الزوجان ممّن يحملان السلاح ويقومان في صفّ الحرب النظامي أمام أعداء الإسلام والمسلمين والمستضعفين ، أو أن يكونا من أقدم علماء العلوم الطبيعية الذين وقفوا أنفسهم على خدمة أبناء البشر أو خصوص الاُمّة الإسلامية ، ولا سيّما إذا كانت هذه العملية بعد تولّد عدد من الأولاد وقضاء وطرهم من هذه الناحية إلى غير ذلك ـ فالظاهر أنّ الإقدام إلى عملية التعقيم الدائم أيضاً لا يعدّ من مصاديق الإضرار » . انتهى .
وذلك لأنّ الدواعي العقلائية لا تخرج التنقيص عن كونه ضرراً ، ألا ترى أنّ كسر باب الغير لإنقاذ الغريق ونحوه أمر عقلائي بل واجب شرعي ومع ذلك لا يوجب ذلك خروجه عن كونه ضرراً على صاحب البيت ؟ ! ولذا يجب ضمانه ، بل يكون بابه من باب التزاحم بين الأهمّ والمهمّ ، فيقدّم الأهمّ وهو حفظ النفس على حرمة الإضرار بالغير (٣٦). وفي المقام أيضاً إن كانت المشاركة في الحرب لازمة ومتوقّفة على التعقيم بحيث لا محيص عنه فهو أهمّ ، ومع أهمّيته يجوز الإقدام على ذلك ، بل ربّما يكون واجباً فيتحمّل النقص والضرر من جهة الأهمّ ، وليس معنى ذلك عدم وجود النقص والضرر بمجرّد وجود الأهمّ ، وعليه فلا يجوز الإضرار بالنفس لمجرّد بعض الدواعي العقلائية مع عدم أهمّيتها بالنسبة إلى الإضرار بالنفس .
هذا ، مع الغمض عن إمكان منع توقّف المشاركة في الحرب ونحوها على التعقيم ؛ إذ يمكن المنع من انعقاد النطفة بالطرق المختلفة الاُخرى .
وبالجملة ، لا ينتفي الضرر بوجود دواعٍ عقلائية ، بل هو متحقّق وكائن ،
(٣٦)وهكذا يصدق الضرر في المعاملات التي ينفق لأجلها للسفر وغيره لتحصيل النفع ولم يحصل الانتفاع ، مع أنّ الإنفاق للسفر وقع لداعٍ عقلائي وهو التجارة . بل يمكن أن يقال : إنّ مع النفع أيضاً يصدق الضرر على ما ينقص بالإنفاق في تحصيله ، ولكنّه يجبر بالنفع ويتدارك به . فالباب باب التزاحم ، فالذي يدعو إلى تحمّل الضرر إن كان أهمّ كان هو المقدّم ، وإلاّ فلا مجال لتقديمه ، فالتجارة والكسب أمر يتقدّم على تحمّل نفقات التجارة ولو لم تكن فائدة؛ إذ لولا التجارة لاختلّت الاُمور . وهذا الأمر يترجّح بالنسبة إلى الضرر المالي في بعض الأحيان قبال النفقات اللازمة مع عدم الفائدة .