مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٦٠ - (البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)
«وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ» فيزيد على سبعمائة لمن يشاء بفضله، و مشيّته المتعلّقة ببعض دون بعض، فإنّه فاعل لما يريد، أو على حسب حال المنفق من إخلاصه و احتياجه أو حال المنفق عليه من اضطراره و صلاحه و قرابته و شرافته، أو طريق الإنفاق من كونه سرّا لا يعلم فيه أحد و نحوه، و من أجله تفاوت الأعمال في مقادير الثواب.
«وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ» لا يضيق بما يتفضّل به من الزيادة «عَلِيمٌ» بنيّة المنفق و قدر إنفاقه و حال المنفق عليه، فيرتّب الثواب على ما يناسب حال كلّ واحد منها.
قيل: هي خاصّة بالإنفاق في الجهاد فأمّا غيره من الطاعات فإنّما يجزى بالواحدة عشرة أمثالها كما قال تعالى «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» [١] فلا تنافي بينهما، و يمكن الجمع بوجه آخر و هو أنّ المراد بيان ثواب الإنفاق في وجوه البرّ و آية العشرة في الطاعات غيرها، و يمكن العمل بعموم كلّ منهما من غير تخصيص و الاقتصار على العشرة في الأخرى لكونه أقلّ المراتب و هو الظاهر من قوله «يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ» أي يزيد في ذلك.
السادسة:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ثُمَّ لٰا يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لٰا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢].
«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ثُمَّ لٰا يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لٰا أَذىً» المنّ [٣] ذكر ما ينقص المعروف كقول القائل أحسنت إلى فلان و نعشته، أو لم أحسن
[١] الانعام: ١٦٠.
[٢] البقرة: ٢٦٢.
[٣] في سن: المن في اللغة تارة يطلق على الانعام يقال: قد من اللّه على فلان، إذا أنعم عليه و لفلان على منة: أي نعمة، و من ثم يوصف اللّه تعالى بأنه منان، أى منعم. و تارة يطلق على النقص من الحق و الحبس له، قال تعالى «وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» أى غير مقطوع و لا ممنوع، و منه سمى الموت منونا لانه ينقص الأعمار و يقطع الاعذار، و من هذا المعنى المنة المذمومة، لأنها منقص النعمة و مكدرها، فالمراد بالمن هو إظهار الاصطناع عليهم و هو ذكر ما ينقص المعروف كقول القائل: أحسنت إلى فلان و نعشته، أو لم أحسن إليك؟ أ لم أعطك؟
و انما كان المن مذموما لان الفقير الأخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة الغير معترف باليد العليا للمعطى، فإذا أضاف المعطى الى ذلك إظهار الانعام عليه، زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة و الإساءة بعد الإحسان و الأذى ضرر يتعجل إلخ.