مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٦٦ - (البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)
من بعدي، و عدّ منها المنّ بعد الصدقة الحديث، و الحقّ أنّ العمل بمقتضى الإخلاص يقتضي أن لا يصدرا منه في شيء من الأوقات لأنّه إنّما دفعها قاصدا وجهه تعالى و ما عداه غير ملحوظ فيها، و مقتضى ذلك أنّه لا يقع منه منّ و لا أذى، فإنّ ذلك إنّما يكون مع ملحوظيّة الغير [لا مطلقا] و لكنّ التخلّص منهما بل من الرئاء و السمعة الّتي هي الشرك الخفيّ في غاية الصعوبة.
ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر حال الإنفاق مع المنّ و الأذى و الرئاء ذكر بعدها حال المخلصين في الإنفاق ليبيّن الحالتين و ما بينهما من التفاوت فقال:
«وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ» طلبا لرضاه «وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أي ليثبتوا بعض أنفسهم على الإيمان فإنّ المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبت بعض نفسه عليه، و من بذل ماله و روحه فقد ثبّتها كلّها عليه فمن على هذا تبعيضيّة و يحتمل كونها ابتدائيّة أي تصديقا للإسلام، و تحقيقا للجزاء مبتدئا من أصل أنفسهم لأنّ المسلم إذا أنفق ماله في سبيل اللّه علم أنّ تصديقه و إيمانه بالثواب من أصل نفسه و من إخلاص قلبه.
و فيه تنبيه على أنّ حكمة الإنفاق للمنفق تزكية نفسه من البخل و المنّ و حبّ المال و يحتمل على الثاني أن يكون المعنى و تثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين بأنّها صادقة الإيمان مخلصة فيه، و يعضده قراءة بعضهم و تبيينا من أنفسهم لأنّ التبيين إنّما يكون عند المؤمنين.
فمثل إنفاق هؤلاء «كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ» أي بستان في موضع مرتفع و لعلّ التخصيص بذلك لأنّ الشجرة فيها أزكى ثمرة و أحسن منظرا من الأسفل الّذي يسيل الماء إليه و يجتمع فيه، و الأحسن أن يراد بالربوة الأرض الطيّبة الحرّة الّتي تنتفخ و تربو إذا نزل عليها المطر، فإنّها إذا كانت كذلك كثر دخلها و كمل شجرها، كقوله:
«وَ تَرَى الْأَرْضَ هٰامِدَةً فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ» [١] و إنّما كان هذا أحسن لأنّ المكان البعيد لا يحسن ريعة لبعده عن الماء و ربّما تضرّ به الرياح، كما أنّ الوهاد
[١] الحج: ٥.