مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٦٣ - (البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)
المطلوب فذكر في الآية السابقة أنّ الأجر لا يترتّب على المنّ و الأذى ثمّ ذكر هنا أنّ الردّ الجميل خير من الصدقة المتبوعة بالأذى مع وعيد مّا كما عرفت، ثمّ بيّن في الآية الّتي بعدها حال الصدقة مع المنّ و الأذى و أنّها بأيّ مثابة من التحريم فقال:
«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ» لا تحبطوا أجرها بكلّ واحد منها «كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ وَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» محلّ الكاف النصب على الحاليّة من ضمير المخاطبين، أو على المصدريّة، و المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بهما حال كونكم مماثلين للّذي ينفق ماله أو إبطالا مثل إبطال إنفاق الّذي يرائي بإنفاقه و لا يقصد به رضى اللّه عنه و لا ثواب الآخرة لعدم إيمانه بهما، و رثاء منصوب على العلّة أو المصدريّة أو الحال بمعنى مرائيا.
«فَمَثَلُهُ» فمثل المرائي في الإنفاق «كَمَثَلِ صَفْوٰانٍ» كمثل حجر أملس «عَلَيْهِ تُرٰابٌ فَأَصٰابَهُ وٰابِلٌ» مطر عظيم القطر «فَتَرَكَهُ صَلْداً» حجرا أملس نقيّا من التراب الّذي كان عليه «لٰا يَقْدِرُونَ عَلىٰ شَيْءٍ مِمّٰا كَسَبُوا» أي لا ينتفعون بشيء ممّا فعلوا رثاء لذهابه من أيديهم، و لا يجدون ثوابه، بل وجدوا نقيضه لحرمة الرئاء و كونه شركا فتبيّن به أنّ تلك الأعمال لم تكن للّه، و لم يؤت بها على وجه يستحقّ به الثواب، و ضمير الجمع عائد إلى «الّذي» باعتبار المعنى لأنّ المراد به الجنس [أو الجمع] كقوله [١]:
و إنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم * * * هم القوم كلّ القوم يا أمّ مالك
«وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ» لا يثيبهم على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها و إنّما يثيب المؤمنين الّذين يوقعون أعمالهم على الوجوه الّتي يستحقّ بها الثواب أولا يهديهم إلى الجنّة بأعمالهم كما يهدي المؤمنين، أولا يعطيهم ما يعطى المؤمنين من زيادة الألطاف و التوفيق، أو المراد لا يهدى المنفقين رئاء أو منّا أو أذى وضع مكانه الكافرين تعريضا بأنّ الرياء و المنّ و الأذى على الإنفاق من صفات الكفّار و لا بدّ للمؤمن من الاجتناب عنها و إيقاع الفعل خالصا لوجهه الكريم، من غير قصد سمعة و لا رئاء.
[١] هو الأشهب بن رميلة.