مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٤٤ - (البحث الثاني) في قبض الزكاة و إعطائها المستحق
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [١].
«إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ» أي تعطوها مستحقّها جهارا و إعلانا «فَنِعِمّٰا هِيَ» فنعم شيئا إبداؤها، فما نكرة موضعها النصب على التمييز للفاعل المضمر قبل الذكر، أي نعم الشيء شيئا إبداء الصدقات، و هو المخصوص بالمدح، لكنّه حذف المضاف، و أقيم المضاف إليه مقامه، و المراد أنّ دفع الصّدقة جهارا إلى مستحقّها فيه ثواب للدّافع لأنّ أصل التصدّق حسن، و هذا فرد منه.
«وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ» أي تجمعوا بين الأمرين فتعطونها خفية و سرّا فيما بينكم و بين الفقير بحيث لا يطّلع على ذلك إلّا اللّه «فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» أبلغ في الثواب من الابداء. و إن كان فيه ثواب أيضا «وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئٰاتِكُمْ» بعضها، و اختلف فيه فقيل هي الذّنوب الصغائر، و الّذي يذهب إليه أصحابنا أنّ الساقط أعمّ من ذلك، و الوجه فيه أنّ إسقاط العقاب تفضّل من اللّه تعالى عندنا فله أن يتفضّل بإسقاط بعضه دون بعض حتّى أنّه لو لم يدخل «من» في الكلام لاقتضى الكلام و عده بسقوط جميع العقاب مع فعل الطاعة.
و بالجملة إسقاط العقاب بفعل الطاعات تفضّل منه تعالى، و الحكم منّا بوجوب ذلك عليه نظرا إلى وعده، و حيث إنّه هنا وعد بإسقاط بعض العقاب مع الإنفاق المذكور قلنا يجب ذلك الاسقاط بمقتضى وعده.
فلا يرد أنّ الإحباط و التكفير باطلان عند أصحابنا، فلا يوافق قولهم ظاهر الآية لأنّ الحكم بالإسقاط هنا ليس للطاعة فقط، كما هو قول من قال بالتكفير، بل تفضّل منه تعالى، و على هذا تحمل الآيات المشتملة على الإحباط و التكفير، و هذه جملة نافعة.
«وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ» من الإنفاق سرّا أو جهرا بل مطلق العمل حسنا أو قبيحا «خَبِيرٌ» فيجازيكم عليه بقدر الاستحقاق، و يتفضّل على قدر ما يريد.
[١] البقرة ٢٧١.