مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٤٥ - (النوع الثالث) (في أحكام متعددة)
فإقرار هؤلاء مع ثبوت الكتاب لهم حقيقة أولى.
و الجواب ما تقدّم أنّ اللّام في الكتاب للعهد، و المراد التوراة و الإنجيل لأنّه المتبادر عند الإطلاق، بخلاف ما عداهما، فإنّها ليست كتبا منزلة على ما قيل و إنّما هي وحي يوحي، و لو سلّم أنّها منزلة فهي قد اشتملت على مواعظ لا غير، و ليس فيها أحكام مشروعة، فلم يكن لها حرمة الكتب المنزلة، و عن الثاني أنّهم ملحقون بأهل الكتاب لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» لا أنّهم داخلون في الآية حقيقة، و فيما ذكرنا كفاية للمستبصر، و لتفصيل أحكام الجزية بحث يطول، فليطلب من محلّه.
الرابعة:
[وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] [١].
وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ مالوا إليه، و منه الجناح، و قد تعدّى باللّام و إلى و السّلم: الصّلح و الاستسلام «فَاجْنَحْ لَهٰا» و عاهد معهم، و تأنيث الضّمير بحمل السّلام على نقيضها و هو الحرب «وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ» و لا تخف من إبطانهم خداعا فيه فانّ اللّه يعصمك من مكرهم و يحيقه بهم «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لأقوالهم «الْعَلِيمُ» بنيّاتهم.
و في الآية دلالة على جواز الهدنة، و هي المعاهدة على ترك الحرب، و وضع القتال مدّة معيّنة بعوض و بغير عوض قيل هي مخصوصة بأهل الكتاب لاتّصالها بقصّهم و قيل عامّة منسوخة [٢] بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
و الحقّ أنّها غير منسوخة، و أمرها عندنا منوط برأي الإمام، فما يرى فيه المصلحة يفعله مع الكفّار المحاربين، و ما خلا عن المصلحة لا يجوز فيه ذلك، كما لو كان
[١] الأنفال: ٦٢.
[٢] و انظر أيضا ما أفاده آية اللّه الخويي ص ٢٤٨ من البيان.