مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٥٣ - (النوع الثالث) (في أحكام متعددة)
بلاد الشّرك واجبة قطعا و الآيات عامّة و خصوص الأسباب لا يوجب تخصيصها.
و منه يلزم اندفاع ما ذكره أيضا أنّ غاية ما يفهم منها وجوب المهاجرة في مادّة خاصّة بسبب خاصّ، و لم يعلم منه أنّ كلّ هجرة واجبة، و كلّ تارك لها ظالم إلّا أن يقاس باستخراج العلّة و إثباتها في الفرع، و أنّى له ذلك، و لهذا كان ترك هذه الهجرة كبيرة، و فيه ما تقدّم من المبالغات الّتي كادت أن لا توجد في غيرها، و كيف تكون غيرها كذلك مع أنّه نقل أن لا هجرة بعد الفتح انتهى.
و دفعه ظاهر، فانّ الاعتبار بظاهر اللّفظ على ما عرفت و ليس التعدّي إلى غيرها بالقياس، بل من دلالة اللّفظ، و لا يلزم من ورودها حال كون الهجرة من مكّة فريضة ارتفاع حكمها بعد ذلك، بالنّسبة إلى غيرها أيضا فإنّ ارتفاع الحكم في مادّة معيّنة يكون على أحد وجهين: إما بنسخة أو بانتفاء متعلّقه، و ما نحن فيه من الثاني إذ الهجرة كانت فريضة قبل الفتح، لما في الإقامة بمكّة من موافقة الكفّار، و مساعدتهم على ترك إظهار الإسلام، فمع انتفاء ذلك بالفتح ارتفع وجوبه.
و هكذا نقول: لو فرض أنّ بلدا من بلاد الحرب فتحه المسلمون، و صار من بلادهم الّتي يقام فيها شعارهم، فإنّه لا يجب الهجرة منه، و إن كان قبل ذلك يجب المهاجرة عنه إجماعا.
قال العلّامة في المنتهى [١] وجوب الهجرة باق ما دام الشّرك باقيا لوجود المقتضى و هو الكفر الّذي يعجز معه عن إظهار شعائر الإسلام، و لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لا ينقطع الهجرة حتّى ينقطع التوبة، و لا ينقطع التوبة حتّى تطلع الشّمس من مغربها [٢] و روى الكلينيّ بسنده [٣] عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال ألا إنّي بريء من
[١] المنتهى ج ٢ ص ٨٩٩.
[٢] المنتهى ج ٢ ص ٨٩٩ و البيهقي ج ٢ ص ١٧ و أبو داود ج ٣ ص ٦ الرقم ٢٤٧٩ و في تذييله أنه أخرجه النسائي أيضا.
[٣] الكافي ج ١ ص ٣٣٩ باب انه لا يحل للمسلم ان ينزل دار الحرب و هو في المرآة ج ٣ ص ٣٧٦ و رواه في التهذيب ج ٦ ص ١٥٢ بالرقم ٢٦٣ و هو في الوافي الجزء التاسع ص ٢٧ و الوسائل الباب ٣٦ من أبواب الجهاد الحديث ٤ ص ٤٣٠ ج ٢ ط الأميري و روى الحديث في مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٦٠ عن الجعفريات و عن دعائم الإسلام و هو في النسخة المطبوعة بمصر ج ١ ص ٣٧٦ بلفظ «انى بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار» و رواه في البحار الجزء الرابع من ج ١٥ ص ٢٢٤ بلفظ «انى بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار حرب» عن نوادر الراوندي.
و روى الحديث من أهل السنة الهيتمى في مجمع الزوائد ج ٥ ص ٢٥٣ عن الطبراني بلفظ أنا بري من كل مسلم أقام مع المشركين لا ترى اباراهما، و قال رجاله ثقات هكذا في النسخة المطبوعة بالقاهرة ١٣٥٣ و المطبوعة بلبنان ١٩٦٧ و أظن انه من غلط الناسخ و الصحيح ناراهما كما في كنز العمال ففيه ج ٤ ص ٢٣٦ بالرقم ١٩٣٨ عن أبى داود و الترمذي و الضياء عن جرير عن النبي (ص) أنا بريء من كل مسلم مقيم بين المشركين لا تراءى ناراهما.
قلت و للشريف الرضى (قدّس سرّه) في ص ١٧٠ من المجازات النبوية في شرح الحديث بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال (قدّس سرّه):
و من ذلك قوله (عليه السلام) «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، قيل: و لم يا رسول اللّه؟
قال لا تراءى ناراهما» و هذه استعارة و قد قيل في ترائي النارين قولان أحدهما أن يكون المراد أن المسلم لا ينبغي له أن يساكن المشرك في بلد فيكون منه بحيث إذا أوقد كل واحد منهما نارا رآه الأخر، فجعل الترائي للنارين و هو في الحقيقة للموقدين، و الأصل في ذلك المداناة و المقابلة يقول القائل دور فلان تتناظر أى تتدانى و تتقابل، و يقولون للمسترشد إذا أخذت في طريق كذا فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينه أو عن يساره: و المراد إذا قابلك الجبل فنظرت اليه فجعلوا النظر له لأنهم أقاموا الجبل مقام الرئية الناظرة و الرفيق المساير و قال الشاعر:
سل الدار من جنبي حبر فواهب * * * الى ما رأى هضب القليب المضيح
حبر بكسرتين و تشديد الراء و واهب جبلان في ديار سليم انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٢١٢ و ج ٥ ص ٣٥٦ ط بيروت و في الموضعين ذكر هذا البيت و في اللسان ج ١٤ ص ٢٠٠ جير فواحف مكان حبر فواهب، و هما أيضا موضعان، و هضب القليب و المضيح موضعان متقاربان فجعلهما لتجاذبهما كأنهما يترائيان، و مثله قول الأخر: «حيث نرى الدير و المنار.
(أقول و في غريب الحديث لأبي عبيد التمثيل لهذا الوجه أيضا بقوله تعالى وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدىٰ لٰا يَسْمَعُوا وَ تَرٰاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لٰا يُبْصِرُونَ).
و الوجه الأخر أن يكون المراد هاهنا نار الحرب، لأنهم يكنون عن الحرب بالنار لما فيها من رهج المصاع و وهج القراع، و من ذلك قول الشاعر:
هما حيان يصطليان حربا * * * رداء الموت بينهما جديدا
و على هذا المعنى جاء التنزيل بقوله «كُلَّمٰا أَوْقَدُوا نٰاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّٰهُ» فكأنه (عليه السلام) قال و ناراهما مختلفان، أى حرباهما متباينان: هذه تدعو إلى الهدي و الرشاد، و هذه تدعو الى العمى و الضلال.
و قد يجوز في ذلك عندي وجه آخر و هو أن يكون المراد لا يجتمع سرباهما و لا يختلط سرحاهما، و النار عندهم اسم لسمات الإبل يقولون على هذا الإبل نار بنى فلان أى وسمهم، و على هذا قول بعض خراب الإبل في ذكر أذواد استلبها و أراد عرضتها ليبيعها.
يسألني الباعة ما نجارها * * * إذ زعزعوها قسمت إبصارها
فكل دار لأناس دارها * * * و كل نار العالمين نارها
(أقول ضبط هذا البيت في اللسان ج ٥ ص ٢٤٣ ط بيروت هكذا:
نجار كل إبل نجارها * * * و نار إبل العالمين نارها
) أي هي مأخوذة من قبائل شتى فوسمها غير مشقة و نجارها غير متفق، و هذا الوجه يعود الى معنى الوجه الأول، لأن المراد ان المسلم و المشرك لا يجوز اجتماعهما في دار حتى يجتمع أذوادها في الريحى و أورادها في الورد، فقوله (عليه السلام) على هذا الوجه لا يتراءى ناراهما: أى لا يختلط و سماهما.
و أما الحديث الأخر و هو قوله (عليه السلام) «لا تستضيئوا بنار أهل الشرك» فقيل ان المراد لا تستشيروهم في أموركم فتعملوا بآرائهم، فترجعوا إلى أقوالهم و هذا أيضا مجاز آخر، لانه (عليه السلام) شبه الاسترشاد بالرأي بالاستضواء بالنار إذ كان فعله كفعلها في تبيين المبهم و تنوير المظلم انتهى كلام الشريف الرضى (قدّس سرّه).
و أخرج الحديث مثل ما نقله الشريف الرضى ابن الأثير في النهاية كلمة (رأى) و ابن منظور في اللسان ج ١٤ ص ٣٠٠ ط بيروت و أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث ج ٢ ص ٨٨ و في الأخير: و يقال ان أول هذا أن قوما من أهل مكة أسلموا و كانوا مقيمين بها على إسلامهم قبل فتح مكة، فقال النبي (ص) هذه المقالة فيهم ثم صارت للعامة انتهى.
ثم الترائي تفاعل من الرؤية يقال ترائي القوم إذا رأى بعضهم بعضا، و ترائينا فلانا أى تلاقينا فرأيته و رآني، و الأصل في تراءى تتراءى فحذفت احدى التائين تخفيفا.
ثم في اللسان نقل الوجه الأخير الذي بينه الرضى عن أبى الهيثم ففيه: و قال أبو الهيثم في قوله لا تراءى ناراهما: أى لا يتسم المسلم بسمة المشرك و لا يتشبه به في هديه و لا يتخلق بأخلاقه من قولك ما نار بعيرك أى ما سمة بعيرك انتهى.