مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٩٩ - تنبيهات
بل ذلك جائز لكم.
قيل كان عكاظ و جحفة و ذو المجاز أسواقهم في الجاهليّة يقيمونها مواسم الحجّ و كانت معايشهم منها، فلمّا جاء الإسلام تأثّموا من ذلك فنزلت، و قيل كان في الحجّ اجراء و مكارون، و كان النّاس يقولون إنّه لا حجّ لهم. فرفع تعالى ذلك و بيّن أنّه لا إثم على الحاجّ أن يكون أجيرا لغيره أو مكاريا.
و على هذا التقدير فالآية صريحة في عدم المنافاة بين الحجّ و طلب الرّزق بإجارة أو مكاراة أو تجارة و نحوها، فلا يتخيّل المنافاة بين الحجّ على ذلك التّقدير و بين الإخلاص، فإنّه إنّما يقصد الإخلاص بفعل الحجّ و هو خارج عن تحصيل المال، فانّ العمل الّذي يستحقّ به الأجرة مثل الخدمة ليس بداخل في الحجّ و ليس بعبادة، بل قد يحصل به الثواب و الأجرة أيضا كما لو قصد به تحصيل المعاش الواجب أو الندب و قد لا يحصل كما لو قصد به غير ذلك و كذا الكلام في طلب التجارة، فإنّ أفعال الحجّ لا تستغرق ذلك الزّمان، فما فضل منها يصرفه في التّجارة فلا تنافي، و لو آجر نفسه للحجّ ترتّب على فعله تحصيل المال و حصول الثواب أيضا و في الأخبار دلالة على ذلك و في بعضها أنّ للمستأجر عنه حجّة واحدة، و للأجير تسع.
و لكن في حصول القربة المعتبرة في النيّة على ذلك التّقدير إشكال، لظهور أنّ ذلك الفعل واقع بإزاء الأجرة، فلا يتخلّص للقربة، و يمكن أن يقال هو إنّما استوجر على إيقاع الفعل و حال الاستيجار لم يوقعه، و إنّما أوقعه فيما بعد ذلك، فجاز أن يقصد بذلك الفعل القربة إذ لا يحصل له شيء بعد الفعل، حيث وجب فعله بعد عقد الإجارة و تعيّن عليه، فيتخلّص الفعل للقربة. و فيه نظر إذ يجوز أن يكون القصد من الفعل حينئذ تمام ملكيّة الأجرة، فإنّ الأجير إنّما يملكها ملكا تامّا بتمام العمل، و يمكن الجواب بأنّه لا محذور في ذلك بعد ورود النصّ، بل هو دليل على حصول القربة فتأمّل المقام فإنّه مشكل، و قيل إنّ معنى الآية لا جناح عليكم في طلب المغفرة من ربّكم بأعمال توجبها، و رواه جابر عن الباقر (عليه السلام) و في مجمع البيان [١] أنّ
[١] المجمع ج ١ ص ٢٩٥.