مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣١٦ - النوع (الأول في وجوبه)
الشيخ أنّه أبطل الحجّ بالارتداد، و ضعّفه الأصحاب، و حينئذ فما وقع من الإحباط بالارتداد مطلقا يكون مقيّدا بالموت كما وقع في هذه الآية حملا للمطلق على المقيّد و إلى ذلك يذهب الشّافعيّة أيضا، و أطلق الحنفيّة إبطال العمل بالارتداد، و إن رجع إلى الإسلام، و ظاهر الآية حجّة عليهم، و خصوصا مع قولهم بالمفهوم كما هو مذهبهم.
و يتفرّع على ذلك فروع كثيرة منها أنّه لو توضّأ ثمّ ارتدّ ثمّ عاد إلى الايمان لم يجب عليه تجديد الطّهارة إن اعتبرنا في الإحباط الموت على الردّة، و إلّا فلا، هذا.
و مقتضى الآية قبول توبة المرتدّ مطلقا، أي سواء كان ارتداده عن فطرة أو ملّة و على هذا أكثر أصحابنا، و قد يظهر من بعضهم عدم قبول توبة الفطريّ لوجوب قتله المانع من قبول توبته، و هو ضعيف، لأنّه لم يخرج عن درجة التّكليف بالعبادات و الإيمان، و يستحيل التكليف من دون قبول التوبة، و إلّا كان تكليفا بالمحال، و لا معنى لقبول توبته إلّا صحّة عباداته، و إثابته عليها، و استحقاقه الجنّة بها في الآخرة و عدم سقوط بعض الأحكام مثل القتل عنه لدليل شرعيّ اقتضاه لا ينافي عدم القبول.
و من هنا يظهر أنّ القول بالنّجاسة مع التّوبة بعيد، إذ لا معنى لنجاسته مع القول بصحّة عباداته المشروطة بالطّهارة، إلّا أن يقال ذلك بالنّسبة إلى غيره و بالنّسبة إلى نفسه هو طاهر، و فيه بعد، و أبعد منه حمل الآية و أمثالها على المرتدّ الملّي نظرا إلى أنّها واردة في أوّل الإسلام، و لم يعهد هناك مسلم فطريّ فيكون الأحكام مخصوصة بهم، لأنّ المناط ظاهر اللّفظ دون خصوص السّبب، فإنّه لا دخل له في التّخصيص عند المحقّقين، و خلوّ الأخبار عن ذلك دليل سقوطه.
ثمّ إنّه قد تكرّر في مواضع كثيرة من القرآن العزيز الإحباط و التكفير كقوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ [١] و لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [٢] و نحوها و تظافرت الأخبار به كما روي أنّ شرب الخمر يحبط
[١] النساء: ٣١.
[٢] الزمر: ٦٥.