مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣١٨ - النوع (الأول في وجوبه)
لأنّه قد دلّ الدليل على أنّ الإحباط على هذا الوجه لا يجوز انتهى.
و اعترض عليه بأنّه لا معنى لوقوع الفعل على وجه يستحقّ فاعله الثواب و المدح إلّا الإتيان به على الوجه المأمور به شرعا، بمعنى الإتيان به مع جميع الشرائط المعتبرة في صحّته حين الفعل، و قد فرض الإتيان به على هذا الوجه ثمّ ارتدّ و مع هذا الإتيان في جميع الصّور الّذي أطلق عليه الإحباط بعيد.
و يمكن أن يجاب بأنّا لا نسلّم الإتيان به على هذا الوجه، كيف و استحقاق الثواب عندنا مشروط بالموافاة إلى حال الموت، و حينئذ فيكون صحّته موقوفة على ذلك، و يكون ارتداده في ثاني الحال و موته عليه كاشفا عن عدم صحّة الأعمال الواقعة حال الإيمان و عدم ترتّب الثّواب عليها، إذ لا يراد بعدم الصحّة سوى عدم ترتّب الثّواب عليه.
لكنّ هذا لا يجرى فيما إذا كان الإحباط لبعض الأعمال البدنيّة بالبعض مثل كون شرب الخمر يحبط كذا و كذا، و الزّنا يحبط كذا و كذا، و الصّلوة تكفّر ذنب كذا و نحوها، ممّا لا يحصى، و يمكن حمل الإحباط الباطل على أنّه لا يكون الذّنب القليل محبطا لعبادة كثيرة، و بالعكس حتّى أنّ الإنسان لو فعل جميع العبادات إلى قرب موته ثمّ فعل ذنبا بطل ذلك بالكلّية و استحقّ به العقاب الدّائم و بالعكس فإنّه ظاهر البطلان، و إن ذهب إليه بعض المعتزلة، و يكون الإجماع منهم على بطلان ذلك، و الآي و الأخبار تحمل على ما لا يحصل إلى هذا الحدّ، و لا يلزم من ذلك القول بالموازنة كما يذهب إليه بعضهم فإنّه باطل فتأمّل فيه.
و يمكن أن يراد بالإحباط الوارد في كتاب اللّه هو أنّ المرتدّ إذا أتى بالردّة فتلك الردّة عمل محبط، لأنّه يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحقّ ثوابا، فمعنى حبط عمله أنّه أتى بعمل ليس فيه فايدة، بل فيه مضرّة عظيمة.
و قد استدلّ الفخر الرازيّ على بطلان الإحباط بأنّ من أتى بالإيمان و العمل الصّالح استحقّ الثواب الدّائم، فإذا كفر بعده استحقّ العقاب الدّائم، و لا يجوز وجودهما جميعا، و لا اندفاع أحدهما بالآخر، إذ ليس زوال الباقي بطريان الطّاري أولى