مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٨٤ - كتاب (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)
من كثير أو قليل، أو المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنّ الإنسان لا يخلو في وقت من أوقاته عن مسرّة أو مضرّة، فلا يمنعهم حال فرح و سرور، و لا حال محنة و بلاء من إنفاق ما قدروا عليه.
«وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ» الممسكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القدرة، من قولهم كظمت القربة إذا ملأتها و شددت رأسها، و لعلّ الوجه في التعبير عن إمساك الغيظ بالكظم بهذا المعنى الإشارة إلى أنّه لا ينبغي أن يخرج منه شيء أصلا، و لو قليلا، فانّ المطلوب شدّ رأس القربة، بحيث لا يترشّح منه شيء أصلا، و إلّا لم يحصل الغرض.
«وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ» بالصّفح و التجاوز، و عدم المؤاخذة مع الجناية عليهم لكن ينبغي أن يكون بالنسبة إلى نفسه، بحيث لا يؤول إلى إبطال الحدود و التعزيرات الشرعيّة، و التّهاون فيها، و فيه دليل على أنّ العفو عن الجاني مرغّب فيه مندوب إليه، و إن لم يكن واجبا.
«وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» المحسن هو المنعم على غيره على وجه عار عن وجه القبح، و يكون المحسن أيضا عبارة عن الفاعل للأفعال الحسنة من وجوه الطّاعات و القربات، و يجوز أن يكون اللّام فيه للجنس فيتناول كلّ محسن، و يدخل تحته هؤلاء المذكورون، و يجوز أن يكون للعهد فيه فيكون إشارة إلى الموصوفين بالصّفات المذكورة كأنّه قيل: و اللّه يحبّهم، فعبّر عنهم بذلك، ليدلّ على أنّ ذلك إحسان أيضا.
و مقتضى الآية أنّ الأوصاف المذكورة لها دخل في وصف التّقوى، و لعلّ تقديم الإنفاق في العسر و اليسر عليها لكونه أشقّ شيء على النفس، و أدلّة على الإخلاص و لذا كثرت الأخبار في مدح السّخاء و ذمّ البخل.
قال في مجمع البيان أوّل ما عدد اللّه سبحانه من أخلاق أهل الجنّة السّخاء و يؤيّد ذلك من الأخبار ما رواه أنس بن مالك [١] عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال السّخاء شجرة
[١] المجمع ج ١ ص ٥٠٥ و قريب منه في المضمون الحديث بالرقم ٤٨٠٣ من الجامع الصغير ج ٤ ص ١٣٨ فيض القدير بعدة طرق عن عدة من الصحابة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فراجع.