مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٦٨ - النوع الرابع (في قتال أهل البغي)
و ظاهر انتفاء ذلك عن أبى بكر إجماعا، إذ لا قتيل له في الإسلام، و لا جهاد بين يدي الرّسول، و لم يقارب أحد رتبة أمير المؤمنين علىّ (عليه السلام) و رأفته بالمؤمنين، و تواضعه معهم مشهور حتّى أنّه لم ير قطّ طائشا و لا مستطيرا في حال من الأحوال و قد نسب إلى الدّعابة لكثرة تواضعه [١] و قالوا إنه كان فينا كأحدنا في زمن خلافته و يمشي في سوق الكوفة و يقول خلّوا سبيل المؤمن المجاهد في سبيل اللّه، و معلوم حال أبى بكر في الطيش و الغضب حتّى اعترف طوعا بأنّ له شيطانا يعتريه عند غضبه.
[١] و قد شكى نفسه (عليه السلام) في الخطبة ٨٢ من نهج البلاغة و قال: عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام ان في دعابة إلى آخر الخطبة، و قال ابن أبى الحديد في ص ٣٢٦ ج ٦ من شرحه ط دار احياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي و شركائه: فاصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها حتى جعلها أعداؤه عيبا له و طعنا عليه ثم استند في ذلك الى رواية أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه إلى آخر ما ذكره، ثم اعتذر في ص ٣٢٧ عن جانب عمر بأن عمر لما كان شديد الغلظة و الجانب خشن الملمس دائم العبوس، كان يعتقد ان ذلك الفضيلة، و ان خلافه نقص، و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة، و سماحة الخلق لكان يعتقد أن ذلك الفضيلة، و ان خلافه نقص حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلى و خلق على حاصل له لقال في على لو لا شراسة فيه.
ثم قال في ص ٣٢٨: و أنت إذا تأملت حال على (عليه السلام) في أيام رسول اللّه وجدته بعيدا عن ان ينسب إلى الدعابة و المزاح لانه لم ينقل عنه شيء من ذلك أصلا لا في كتب الشيعة و لا في كتب المحدثين و كذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين ابى بكر و عمر لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا يمكن ان يتعلق به متعلق في دعابته و مزاحه.
الى ان قال في ص ٣٢٩: و لقد صدق (عليه السلام) في قوله «اننى ليمنعني من اللعب ذكر الموت» الى ان قال: فغير منكر ان يعيب عليا (عليه السلام) عمرو بن العاص و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمله المتأمل علم انهم باعتمادهم عليه و تعلقهم به قد اجتهدوا في مدحه و الثناء عليه لأنهم لو وجدوا عيبا غير ذلك لذكروه انتهى.
و قال الشارح الخويي (قدّس سرّه) في ص ٨٨ ج ٦ ط الإسلامية بعد نقله كلام ابن ابى الحديد هذا: أقول لعله الى ذلك ينظر الشاعر في قوله:
و إذا أتتك مذمتي من ناقص * * * فهي الشهادة لي بأني كامل
ثم قال و لعمري انه لا بيان فوق ما اتى به الشارح من البيان في توضيح براءة ساحته مما قاله ابن العاص في حقه من الكذب و البهتان، الا أنه لو أنصف لعلم ان كل الصيد في جوف الفراء، و ان أول من فتح أمثال ذلك الباب لابن العاص و نظرائه هو عمر بن الخطاب، إذ هو أول من صدر عنه هذه اللفظة فحذا ابن العاص حذوه انتهى.