مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٤٩ - (البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)
«لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً»: إلحاحا، و هو أن يلازم المسؤول حتّى يعطيه من قولهم لحفنى من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، و المراد أنّهم لا يسألون و إن سألوا عن ضرورة لم يلحّوا في سؤالهم، و يحتمل أن يكون المراد نفي أصل السؤال و نقله في مجمع البيان عن أكثر أرباب المعاني قال: و في الآية ما يدلّ عليه، و هو قوله «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» في المسئلة، و لو كانوا يسئلون لم يحسبهم الجاهل غنيّا لأنّ السؤال في الظاهر يدلّ على الفقر، و قوله أيضا «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ» و لو سألوا لعرفوا بالسؤال فهو كقولك ما رأيت مثله و أنت تريد أنّه ليس له مثل لا أنّ له مثلا ما رأيته، و هذا هو الصحيح [١] و انتصابه على المصدر فإنّه كنوع من السؤال، أو على الحال، و فيها تحريض للفقراء و حثّ على أن يتّصفوا بهذه الصفات.
و في الحديث [٢] أنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عباده، و يكره البؤس و البأس و يحبّ الحليم المتعفّف من عباده، و يبغض الفاحش البذيّ السئّال الملحف. و قد تظافرت الأخبار بكراهة السؤال لغير اللّه روى محمّد بن مسلم [٣] عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) اتّبعوا قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من فتح على نفسه باب مسئلة فتح اللّه عليه باب فقر و روى إبراهيم بن عثمان [٤] عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
[١] زاد في سن: و يمكن بيانه بوجه آخر، و هو أن كل من سأل فلا بد و أن يلح في بعض الأوقات، لأنه بسؤاله أراق ماء وجهه و حمل الذل في إظهار السؤال فربما يقول لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصودي. و هذا يحمله على الإلحاح. و إذا ثبت أن كل من سأل، فلا بد و أن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات، فإذا نفى تعالى عنهم الإلحاح مطلقا فقد نفى السؤال عنهم مطلقا.
[٢] انظر المجمع ج ١ ص ٣٨٧.
[٣] الكافي ج ١ ص ١٦٨ باب من سئل من غير حاجة الحديث ٢ و الفقيه ج ٢ ص ٤٠ الرقم ١٨١.
[٤] الكافي ج ١ ص ١٦٨ باب كراهية المسئلة الحديث ٤.