مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٤٤ - (النوع الثالث) (في أحكام متعددة)
ما حدّ الجزية على أهل الكتاب و هل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجوز إلى غيره؟ فقال ذاك إلى الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم على قدر ما يطيق، إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتّى يسلموا، فانّ اللّه تعالى قال «حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ» و كيف يكون صاغرا و هو لا يكترث لما يؤخذ منه، حتّى يجد ذلّا لما أخذ منه فيسلم الحديث.
و مقتضاه أنّ الصّغار أن يأخذهم بما لا يطيقون حتّى يسلموا و قال الشّافعي هو أن يطأطئ رأسه عند التسليم فيأخذ المستوفي بلحيته، و يضرب في لهازمه.
و ظاهر الآية تخصيص الجزية بأهل الكتاب من بين أصناف الكفّار و أنّ من عداهم من الكفّار لا يقبل منهم الجزية، بل إمّا الإسلام أو السبي أو القتل، و على هذا أصحابنا و وافقهم الشافعيّة.
و قال أبو حنيفة يقبل من جميع الكفّار إلّا العرب، و قال أحمد: يقبل من جميع الكفّار إلّا عبدة الأوثان من العرب، و قال مالك إنّها يقبل من جميعهم إلّا مشركي قريش، لأنّهم ارتدّوا، و هي أقوال ضعيفة و ظاهر الآية يدفعها و كذا عموم قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ و في أخبارنا ما يدلّ على ذلك أيضا مع أنّ الفرق بين أهل الكتاب و غيرهم ثابت لما في أهل الكتاب من الإقرار باللّسان بالتوحيد و التصديق ببعض الأنبياء و إن لم يكونوا عارفين في الحقيقة بخلاف غيرهم.
ثمّ إنّ الظاهر من الكتاب التورية و الإنجيل، فعلى هذا لو كان غير اليهود و النّصارى و المجوس فإنّهم لا يقرّون بالجزية، و إن كان لهم كتاب كصحف إبراهيم و صحف آدم و إدريس و زبور داود (عليهم السلام) و على هذا أصحابنا و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر أنّهم يقرّون بالجزية، و هو قول جماعة من العامّة محتجّين عليه بظاهر الآية فإنّهم أهل كتاب، و لأنّ المجوس يقرّون بالجزية و لم يثبت لهم كتاب بل شبهة كتاب