مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٤ - الأوّل في وجوبها و محلّها
«وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ» أى من جهالتهم و استخفافهم بأحكام اللّه و هي كلمة تستعمل في العذاب و الهلاك كالويح و الويس.
«الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ» الّتي أوجبها اللّه على عباده لبخلهم و عدم إشفاقهم على الخلق و ذلك من أعظم الرذائل الموجبة لعذابهم و قيل معناه لا يطهّرون أنفسهم من الشرك بقول لا إله إلّا اللّه و هي زكاة الأنفس، و هو بعيد، و الظاهر الأوّل.
«وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» حال عنهم مشعرة بأنّ امتناعهم من الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا و إنكارهم للاخرة، و فيها دلالة واضحة على وجوب الزكاة على الكفّار لأنّه يفهم منه أنّ للوصف بعدم إيتاء الزكاة دخلا في ثبوت الويل لهم، و يلزم من وجوبها عليهم كونهم مخاطبين بالفروع، لعدم القول بالفرق، و لكن انعقد الإجماع على أنّها لا تصحّ منهم إلّا بعد الإسلام، و دلّ عليه أيضا قوله تعالى «وَ مٰا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقٰاتُهُمْ إِلّٰا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ» [١] فقول بعض من الأصحاب بصحّة عتق الكافر و وقفه، لا يخلو من بعد. لعدم النيّة المعتبرة المشتملة على القربة، و كذا انعقد الإجماع على سقوطها عنهم بعد الإسلام، و دلّ عليه قوله تعالى «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ» [٢] و ما روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «الإسلام يجبّ ما قبله [٣]» و فائدة إيجابها عليه
[١] براءة: ٥٥.
[٢] الأنفال: ٣٨.
[٣] الحديث رواه في تفسير على بن إبراهيم عند تفسير الآية ٩٠ من سورة الإسراء «وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» أنه شفعت أم سلمة أخاها عبد اللّه بن أبي أمية حين أسلم و لم يكن رسول اللّه (ص) يقبله فقالت الم تقل ان الإسلام يجب ما كان قبله؟ قال (ص) نعم فقبل رسول اللّه (ص) إسلامه.
و رواه عنه في البرهان ج ٢ ص ٤٥٠ و نور الثقلين ج ٣ ص ٢٢٦ الرقم ٤٤٧ و رواه عن تفسير على بن إبراهيم أيضا البحار ج ٦ باب فتح مكة.
و استشكل على الحديث بوجهين:
الأول ان الإسلام ليس من العقود حتى يحتاج الى القبول فما معنى عدم قبول رسول اللّه (ص) إسلام عبد اللّه ابتداء ثم قبوله بالتماس من أم سلمة و الجواب انه يمكن كون الإسلام في ذلك الزمن محتاجا الى قبوله (ص) فلعله كان في ذلك الزمن من نظير المبايعة نحو ما قاله تعالى «إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» و لا استبعاد فيه.
الوجه الثاني انه كيف لم يقبل إسلامه ابتداء ثم قبله بالتماس أخته مع انه (ص) كان عالما بما صدر عنه في حال كفره و بأن الإسلام يجب ما قبله فكان عليه ان يقبل إسلامه من أول الأمر و الجواب انه يمكن كون ذلك لمصلحة مثل إظهار شأن أم سلمة و جلالتها و احترامها و إكرامها و أمثال ذلك أو كون عبد اللّه غير قابل لقبول إسلامه الا بالتماس أخته لما صدر منه من التكذيب الشديد الذي أسقطه عن درجة قابلية قبول إسلامه بلا واسطة فكان خارجا عن حيز قوله (ص) «الإسلام يجب ما قبله» ابتداء بالتخصص، و لكن بالتماس أخته صار قابلا لقبول إسلامه فدخل تحت هذه القاعدة لانطباق الكبرى على الصغرى حينئذ.
و روى ابن شهرآشوب في المناقب ج ص ٣٦٤ ط قم عن القاضي نعمان عن ابى عثمان النهدي قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن طلق امرءته في الشرك تطليقة و في الإسلام تطليقتين أنه (عليه السلام) قال هدم الإسلام ما كان قبله هي عندك على واحدة، و حكاه عنه السيد محسن أمين في كتاب عجائب أحكام أمير المؤمنين ص ٤٠ الرقم ٣٥ و رواه أيضا في البحار عن ابن شهرآشوب ج ٩ ص ٤٧٨ ط كمپانى باب قضايا أمير المؤمنين.
و نوقش في دلالة الحديث بأنه كما يمكن ان يكون ان الكافر إذا أسلم جب ما قبله فيكون المراد إسلام الشخص كذلك يمكن أن يكون المراد أنه بعد ان شرع النبي الإسلام انهدم ما كان صدر من الناس قبل تشريعه من طلاق و غيره فيكون المراد تشريع الإسلام لا تشريع الشخص و مع الاحتمال يبطل الاستدلال.
و الجواب ان الاحتمال الثاني خلاف الظاهر إذ الظاهر أن المراد بالإسلام هو إسلام الشخص لا تشريع الإسلام فيتم الاستدلال.
و من أهل السنة أخرج حديث أن الإسلام يجب ما كان قبله ابن سعد في الطبقات عند شرح إسلام المغيرة بن شعبة ج ٤ ص ٢٨٦ ط بيروت و اللفظ فيه: فان الإسلام يجب ما كان قبلة و نقل القصة ابن ابى الحديد عند شرح قول على (عليه السلام) دعه يا عمار ج ٢٠ ص ١٠ ط دار احياء الكتب العربية ١٩٦٤ عن الأغاني و اللفظ فيه يجب ما قبله.
و كذا في ج ٧ ص ٤٩٧ من الطبقات عند شرح ارتداد عبد اللّه بن سعد بن ابى سرح أخي عثمان من الرضاعة لما شفعه عثمان عنده (ص) و اللفظ فيه الإسلام يجب ما قبله و مثله في السيرة الحلبية ج ٣ ص ١٠٥.
و اخرج الحديث أيضا ابن الأثير في أسد الغابة عند ترجمة هبار بن الأسود الذي روع زينب بنت رسول اللّه (ص) فاهدر دمه ج ٥ ص ٥٤ و الإصابة ج ٣ ص ٥٦٥ الرقم ٧٩٣١ و اللفظ انه (ص) قال بعد اعتراف هبار بالذنب و إقراره بسوء فعله: قد عفوت عنك و قد أحسن اللّه إليك حيث هداك إلى الإسلام و الإسلام يجب ما قبله و مثله في السيرة الحلبية ج ٣ ص ١٠٦ و نقل القصة مع قول النبي له بمثل ما مر أيضا في سفينة البحار ج ١ ص ٤١٢ كلمة (خ ل ق).
و اخرج الحديث أيضا في الجامع الصغير ج ٣ ص ١٧٩، فيض القدير بالرقم ٣٠٦٣ عن ابن سعد بلفظ الإسلام يجب ما كان قبله و قال المناوى في شرحه و أخرجه الطبراني باللفظ المذكور.
و اخرج مسلم في كتاب الايمان ج ٢ ص ١٣٨ بشرح النووي عن عمرو بن العاص عند ما كان في سياقة الموت انه قال له النبي عند إسلامه: أما علمت ان الإسلام يهدم ما كان قبله؟ و ان الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ و ان الحج يهدم ما كان قبله؟ و أخرجه السيوطي عن مسلم و عن ابن أحمد في الدر المنثور ج ٣ ص ١٨٤.
و في النهاية لابن الأثير لغة (جب) و منه الحديث ان الإسلام يجب ما قبله، و التوبة تجب ما قبلها أى يقطعان و يمحوان ما كان قبلهما من الكفر و المعاصي و الذنوب، و مثله في اللسان ج ١ ص ٢٤٩ ط بيروت و قريب منه في مجمع البحرين لغة (ج ب ب).
ثم لا ينبغي الإشكال في الحديث بضعف أسانيده فإنه منجبر بعمل الأصحاب و استنادهم الى الحديث في فتاويهم في مسائل عديدة. إنما الإشكال في جريان قاعدة الجب في الأحكام الوضعية، من حقوق الناس كالقرض و الوديعة و السرقة و الزكاة و الخمس و غيرها و غير حقوق الناس كالطهارة و النجاسة و الصحة و البطلان و كذلك في جريانها في الواجبات الموسعة إذا أسلم الكافر و قد قضى من وقتها بمقدار أدائها جامعة للشرائط و خالية عن الموانع، و البحث مبسوط مذكور في متفرقات المسائل الفقهية في الكتب المفصلة و قد نقحه العالم الجليل المجهول القدر السيد فتاح تغمده اللّه بغفرانه في كتابه عناوين الأصول في العنوان السادس و الستين.