مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١١٢ - البحث الأول في وجوبه)
عليه الحجّ فاستحيى، قال: هو ممّن يستطيع، و لم يستحيى؟ و لو على حمار أجدع أبتر.
و روى معاوية بن عمّار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) [١] إلى أن قال: فان دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيى فلم يفعل، فإنّه لا يسعه إلّا أن يخرج و لو على حمار أبتر الحديث.
و الأخبار في ذلك كثيرة و يجاب عمّا ذكروه من تعليق الواجب على ما ليس بواجب بأنّا لم نحتّم الوجوب بمجرّد البذل بمعنى أنّ مجرّد حصول البذل يوجب استقرار الحج في الذمة و يجعله واجبا مطلقا؟ بل نقول إنّه يجب بذلك و يبقى الوجوب مراعى باستمرار البذل فان استمرّ استمرّ الوجوب، و إن سقط في الأثناء لعارض سقط، و هل ذلك إلّا مثل من وجب عليه الحجّ و سافر عام الاستطاعة فعرض له عارض في الطريق من نهب ماله أو غصبه بحيث لا يمكنه المسير عن ذلك الموضع، فإنّه يسقط عنه الوجوب المحكوم به ظاهرا في أوّل الأمر، نعم مع وجود العائلة لا بدّ أن يكون عندهم ما يكفيهم مدّة غيبته عنهم، سواء كان ذلك ببذل الباذل أو كان عنده ما يخلفه لهم، و لا فرق في كون المبذول نفس الزّاد و الرّاحلة أو ثمنهما أو ما يمكن تحصيلهما به، و من فرّق فقد أبعد.
[ثمّ إنّ ظاهر تعليق الوجوب بالاستطاعة كونه فوريا كما هو مختار أصحابنا، و وافقهم أبو حنيفة خلافا للشافعيّ حيث قال إنّه موسّع لأنّ آية الحجّ نزلت سنة ستّ [٢] من
[١] التهذيب ج ٥ ص ١٨ الرقم ٥٢ و هو في المنتقى ج ٢ ص ٢٨٧ و الوافي الجزء الثامن ص ٤٨ و تراه في الوسائل روى بعضه في الباب ٦ من أبواب وجوب الحج الحديث ٢ و ذيله الذي حكاه المصنف هنا في الباب ١٠ الحديث ٣.
[٢] قال الشوكانى في نيل الأوطار ج ٤ ص ٣٠٠: و أجيب بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج و من جملة الأقوال انه فرض في سنة عشر فلا تأخير و لو سلم انه فرض قبل العاشر فتراخيه (ص) انما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون و يطوفون بالبيت عراة فلما طهر اللّه البيت الحرام منهم حج (ص) فتراخيه لعذر و محل النزاع التراخي مع عدمه انتهى.
و قال ابن حزم في ج ٧ ص ٣١٧ من المحلى: فان احتجوا بأن النبي (ص) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج إلا في آخرها قلنا لا بيان عندكم متى افترض اللّه تعالى الحج و ممكن أن لا يكون افترض إلا عام حج (عليه السلام) و ما لا نص بينا فيه فلا حجة فيه الا أننا موقنون ان رسول اللّه (ص) لا يدع الأفضل إلا لعذر مانع و لا يختلفون معنا في ان التعجيل أفضل انتهى.