تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٥٠١ - في تعريف الاعتكاف و بيان شرائطه
و عندي أن ذلك كله مع ظهور التفاوت و تفاحشه كيف و لو قلنا بلزوم تشخيص القرب و البعد في جميع المواضع المحتملة و في الطرق إليها و لزوم حفظ المشي عن أدنى قصور عن المعتاد و المكث عن أدنى زيادة عن قدر الضرورة فيتعسر بل يتعذر أمر هذه العبادة في الغالب و يلزم الضيق و الحرج المنفيان في الشريعة السمحة السهلة و ذكر في المنتهى في فروع جواز الخروج للتخلي أنه لو كان إلى جانب المسجد سقاية خرج إليها إلا أن يجد غضاضة بأن يكون من أهل الاحتشام فيجد المشقة بدخولها لأجل الناس فعندي هاهنا يجوز أن يعدل عنها إلى منزله و إن كان أبعد و هذا الاستثناء لا يخلو عن تأمل لما عرفت من إشكال جواز رعاية الاحتشام في الأمور المتعلقة بالعبادات إلا أن يتفق في الفرض المذكور أمور خارجية يتضمن بسببها الدخول في السقاية مشقة شديدة و ذكر أيضا أنه لو بذل له صديق منزله و هو قريب من المسجد لقضاء حاجته لم يلزم الإجابة لما فيه من المشقة بالاحتشام بل يمضي إلى منزله و لا فرق بين أن يكون منزله بعيدا بعدا متفاحشا أو غير متفاحش في ذلك ما لم يخرج عن مسمى الاعتكاف بأن يكون منزله خارج البلد مثلا و ناقش المحقق الأردبيلي رحمه اللّٰه فيه بأن لا احتشام في دخول منزل الصديق بالإذن كيف و يجوز الأكل في بيته من غير إذنه و الحق أن كمال الاحتشام قد يكون في دخول بعض منازل الأصدقاء لخصوص قضاء الحاجة و قياسه على الأكل قياس مع الفارق و الظاهر عدم لزوم قبول ذلك من الصديق و إن لم نقل بجواز رعاية الاحتشام في بعض الأمور المتعلقة بالعبادات كما لا يلزم قبول هبته و إباحته في أكثر ما يحتاج إليه العبادات و في خروجه للأذان في المأذنة قول بالجواز للشيخ فقال في المبسوط و يجوز للمعتكف صعود المنارة و الأذان فيها سواء كانت داخلة المسجد أو خارجه لأنه من القربات و قال في الخلاف يجوز للمعتكف أن يخرج فيؤذن في منارة خارجة الجامع و إن كان بينه و بين الجامع فضاء و لا يكون في الرحبة و نقل عن الشافعي قولين ثم قال دليلنا أن ما روي في الحث على الأذان من الأخبار لم يفصلوا فيه بين حال الاعتكاف و غير حاله فوجب أن يكون على عمومها و احتج له في المنتهى أيضا بأن هذه المنارة بنيت للمسجد و أذانه فصارت كالمتصلة به و لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك بأن يكون مؤذن المسجد و قد عرف صوته و وثق بمعرفته بالأوقات فجاز له ذلك ثم قال موافقا للمعتبر و فيما ذكره الشيخ رحمه اللّٰه إشكال لأن الأذان و إن كان مندوبا إلا أنه يمكن فعله في المسجد فيبقى الخروج لغير ضرورة و قيده بعضهم بكونه معتادا للأذان و لا يبلغ صوته تماما إلا بها و هذا المقيد هو العلامة في المنتهى فقال بعد ما نقلنا عنه أما لو فرض أن يكون هو المؤذن و قد اعتاد الناس بصوته و يبلغ من الإسماع ما لا يبلغ لو أذن في المسجد لم أستبعد قول الشيخ و حاصله أنه يمكن إدخاله حينئذ في حاجة لا بد منها و قد ورد في الخبر الصحيح جواز الخروج لها و يؤيد شمولها لمثل ذلك ما يفهم من الأخبار من شمولها لشهود الجنازة و عود المريض و ما نقلنا من الأدلة لما ذهب إليه الشيخ رحمه اللّٰه فضعفها واضح بعد انعقاد الإجماع و ورود الأخبار الصحيحة في المنع عن الخروج من غير ضرورة كما عرفت و لو صعد سطح المسجد فكالخروج إن لم يكن السطح أو الطريق إليه من المسجد فما ذكره واضح و إن كان من المسجد فالحكم بأنه كالخروج باعتبار عدم دخول السطح في مسماه و عدم إطلاق الكائن في المسجد عرفا على الصاعد عليه و فيه تأمل و قيل لا قال العلامة في المنتهى يجوز للمعتكف الصعود إلى السطح في المسجد لأنه من جملته و به قال الفقهاء الأربعة و يجوز أن يبيت فيه و تعليله يشعر بأن مراده السطح الواقع داخل المسجد كما ذكرنا و يحرم عليه نهارا ما يحرم على الصائم لأنه صائم و يحرم عليه البيع و الشراء و الطيب حتى الريحان على الأقوى و الاستمتاع بالنساء و المماراة ليلا و نهارا أما تحريم البيع و الشراء عليه فالظاهر وفاق أصحابنا عليه و نقل في المنتهى الخلاف فيه عن الشافعي في أحد قوليه و يدل عليه أيضا ما تقدم في صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال المعتكف لا يشم الطيب و لا يتلذذ بالريحان و
لا يماري و لا يشتري و لا يبيع و استدل عليه في المنتهى أيضا ببعض وجوه لا يخلو عن ضعف ثم أمثالهما من العقود كالصلح و الإجارة و كذا الإيقاعات فالأصل فيها الإباحة و لا دليل على تحريمها سوى القياس الذي لا نعمل به و أما تحريم الطيب فعليه الأكثر لورود النهي عنه معنى في صحيحة أبي عبيدة و يؤيد كونه للتحريم دخول المحرمات تحته كالبيع و الشراء و المماراة و الظاهر أن شم الريحان أيضا كالطيب لوروده معه في الصحيحة و الظاهر أن المراد بالتلذذ الشم و بالريحان كل ما له رائحة طيبة من النباتات و شموله للفواكه الطيبة غير ظاهر و الأصل يقتضي إباحتها و خالف الشيخ في تحريم الطيب في المبسوط فقال و يجوز له أن ينكح و ينكح و ينظر في أمر معيشته و صنعته و يتحدث بما شاء من الحديث بعد أن يكون مباحا و يأكل الطيبات و يشم الطيب و كان مستنده أصل الإباحة و قد عرفت ما يوجب العدول عنه و ذهب في النهاية إلى تحريم الطيب و كذا في الخلاف و ادعى عليه الإجماع فقال في النهاية و على المعتكف أن يجتنب جميع ما يجتنبه المحرم من النساء و الطيب و الرياحين إلى آخر ما ذكره و قال في الخلاف لا يجوز للمعتكف استعمال شيء من الطيب و قال الشافعي يجوز ذلك دليلنا إجماع الفرقة و استدل عليه أيضا بالاحتياط و أما تحريم الاستمتاع بالنساء فمقطوع به في كلام الأصحاب و المراد منه الجماع قبلا أو دبرا أنزل أم لم ينزل و القبلة و اللمس بشهوة و الأصل فيه قوله تعالى وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلٰا تَقْرَبُوهٰا و قال في المنتهى يجوز أن يلامس بغير شهوة و لا نعرف فيه خلافا لما ثبت من أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يلامس بعض نسائه في الاعتكاف و يظهر من المختلف و غيره تقييد تحريم القبلة أيضا بالشهوة و قرب فيه تحريم النظر بشهوة أيضا و أما تحريم المماراة فلما تقدم في صحيحة أبي عبيدة و قال