تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٣٧٣ - الدرس السبعون من لا يجب عليهم الصيام
هو الباعث على تركهم (عليهم السلام) له و نهيهم الناس عنه مع تجويزهم إياه حتى لا يخرج هذا الصوم عن حده اللائق به في مراتب الاستحباب إلى حد آخر من الرغبة و الاهتمام بحيث لا يليق به بحسب رعاية المصالح فمثل هذا الصوم المستحب لغير المرغب فيه الذي ورد فيه النهي من الشارع بحسب المصلحة و يترتب الثواب على تركه في كثير من الوجوه يسمى بالمكروه و يؤيد ما ذكرناه ما رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه عن عبد الله بن المغيرة عن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أوصى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى علي (عليه السلام) وحده و أوصى علي (عليه السلام) إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام) جميعا و كان الحسن (عليه السلام) أمامه فدخل رجل يوم عرفة على الحسن (عليه السلام) و هو يتغدى و الحسين (عليه السلام) صائم ثم جاء بعد ما قبض الحسن (عليه السلام) فدخل على الحسين (عليه السلام) يوم عرفة و هو يتغدى و علي بن الحسين (عليهما السلام) صائم فقال الرجل إني دخلت على الحسن (عليه السلام) و يتغدى و أنت صائم ثم دخلت عليك و أنت مفطر و علي بن الحسين (عليه السلام) صائم فقال إن الحسن (عليه السلام) كان إماما فأفطر لئلا يتخذ صومه سنة و يتأسى به الناس فلما انقبض كنت أنا الإمام فأردت أن لا يتخذ صومي سنة فيتأسى الناس بي ثم اعلم أن المحقق الأردبيلي طاب ثراه أفاد أن الكراهة في العبادات بالمعنى المشهور الأصول الذي هو أحد الأقسام الخمسة و لا بعد في قول الشارع لو فعلت هذه العبادة في وقت كذا أو مكان كذا على هذا الوجه فلا ثواب و لا عقاب و لو لم تفعل لكان أحب إلي ثم قال فإن قيل إن نوى الصوم فصار تشريعا حراما لأنه ليس بمشروع كما هو المفروض و إن ينو فلا يكون صوما مكروها قيل له يمكن اختيار الأخير و إن المراد بالصوم المكروه ليس كونه صوما شرعيا و مكروها بل بالشبهة كالحرام فإن الحرام ليس بصوم مشروع و حرام أو المراد بقصد الصوم و العبادة في الجملة لا مع تحقق جميع شرائطها أو يكون النهي عن مجرد التشبيه بالصائمين و العابدين و إن لم يكن مع النية و الشرائط المعتبرة في الصحة أقول هذه الاحتمالات الثلاثة مع كمال تقاربها في غاية الضعف إذ من المعلوم أن محل البحث حكم الصوم المصطلح الشرعي في السفر و أمر الشارع و نهيه أيضا رجع إليه و لا ريب في اعتبار النية المشتملة على قصد القربة و سائر الشرائط فيه و كذا الكلام في الصوم الحرام و إطلاق الصوم عليه و اشتماله على النية لا يقتضي الصحة و الشرعية و كراهة أصل الإمساك في السفر مع أنها مما لا يقول به أحد ظاهرا خارجة عن محل البحث ثم قال طاب ثراه و يمكن اختيار الأول أيضا و عدم تسليم التشريع لجواز أن يكون جعل بعض الأشياء مما يتقرب به إلى الله مكروها بالمعنى الذي قلناه بنص من الشارع و لا محذور و لا يلزمه اعتقاد أنه صوم ورد الشرع به بل يكفي للفعل مع النية احتمال كونه مما يتقرب به و تجويز الشارع له و احتمال إرادته من نهيه الترخص فقط و قلة الثواب مثلا و على تقدير لزوم الاعتقاد و الجزم في نية هذه العبادة مثلا للكراهة فنقول يلزم كون الاعتقاد حراما و تشريعا و أما الفعل على هذا الوجه الذي لم يظهر شرعيته لم يثبت كونه حراما و إنما البحث فيه لا في النية و الاعتقاد كما أشير إليه في الذكرى في تقديم الاستنشاق على المضمضة بقصد الاستحباب من جواز كون القصد و الجزم حراما دون الاستنشاق و أقول القول بجواز التعبد بالصوم في السفر و قصد التقرب إلى الله به بإذن الشارع و تجويزه مع خلوه عن الأجر و الثواب رأسا بل مع اشتماله على نقص يحسن تركه على ما يظهر من أول كلام هذه المحقق لا يوافق مذهبهم إذ الظاهر أنهم يقولون بعدم جواز خلو العبادة المستقرب بها المأذون فيها شرعا عن الأجر إذ مع حصول القرب بها يحصل الأجر البتة و مع عدم حصوله لا يعقل تجويز الشارع للتقرب بها و ما يظهر ثانيا من كلامه من أن حكم الشارع بالكراهة على الصوم في السفر يرجع إلى كراهة الصيام فيه باحتمال تجويز الشارع فعدم استقامته واضح أنه خروج عن محل البحث أيضا لأن البحث ليس في حكم الصوم الناشي عن شبهة صحة أو احتمال تجويز من الشارع بل في أصل حكم الصوم المصطلح الشرعي في السفر و ما ذكره
أخيرا من الحكم بحرمة نية الصوم و كراهة أصله فغير صحيح إذ لا يعتبر حال الفعل شرعا بدون تخصصه و تميزه بالنية و الفعل المتميز بالنية المحرمة لا بد أن يتصف بالحرمة و كلام المصنف (رحمه الله) في الذكرى شيء أخر حاصله أن اعتقاد شرعية تقدم الاستنشاق على المضمضة لا عن شبهة محرم و ذلك مما لا ريب فيه و من المعلوم أن ذلك الاعتقاد ليس نية الفعل و لا ربط له بتميز الاستنشاق تخصصه ثم حكم بأن الظاهر أن الاستنشاق المتقدم ليس بمحرم إذ ليس فيه إلا ترك استحباب الترتيب و ليس ذلك من الحكم بحرمة النية و جواز أصل الفعل في شيء كما لا يخفى على المتأمل فتأمل ثم إن ما ذكره في المسالك لدفع الإشكال الثاني فلا يخلو عن شيء لأن دليل السنة و الاستحباب إنما يجوز التسامح فيه مع عدم دليل دال على خلافه و أما مع وجود الحديث الدال على الحرمة مثلا كما فيما نحن فيه فالعمل بالخبر الضعيف الدال على الاستحباب و حمل النهي الوارد في الخبر الصحيح على الكراهة لا يخلو عن إشكال و الاحتجاج على الجواز بخبر من بلغه شيء ففي غاية الإشكال إذ لا يبعد دعوى ظهور لبلوغ المعتبر بحسب الشرع الحاصل بتبليغ العدل إذ قد ورد في الكتاب الكريم الأمر بالتثبت في خبر الفاسق و على تقدير تسليم العموم فلا ريب في تبادر أن المراد البلوغ الذي لا يعارضه خبر آخر دال على الإثم و نفي الخبر خصوصا إذا كان المعارض أصح و أقوى منه و على التقديرين لا ينفع الاحتجاج به فيما نحن فيه إلا ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة الظاهر وفاقهم على هذا الاستثناء و يدل أيضا عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت يوم الأربعاء و تصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي الباقر؟؟