تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٣٧٢ - الدرس السبعون من لا يجب عليهم الصيام
الأول أنه كيف يصح إطلاق المكروه على هذا الصيام لأن العبادة إن كانت صحيحة يحصل بها التقرب و يستحق عليها الأجر البتة فلا بد من أن يتصف وجودها بالرجحان و لا يتصور رجحان عدمها حتى يتصف بالكراهة و إن كانت غير صحيحة شرعا فلا يجوز أن ينوي بها التقرب لو نوى بها يتصف بالحظر و التشريع لا محالة و العمل بغير نية ليس بعمل يتصف بحكم من الأحكام الشرعية و الثاني أنه كيف يمكن العمل بهذين الخبرين الضعيفين في تجويز صيام النافلة في السفر مع تعارضهما للأخبار الصحيحة و إشارة إلى دفع الإشكال الأول بقوله إن المراد كونه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر كنظائره من مكروه العبادة و حينئذ فلا ينافي أصل الاستحباب و قد ذكر هذا التحقيق في تمهيد القواعد و قبله المحقق الشيخ علي (رحمه الله) أيضا و إلى دفع الإشكال الثاني بقوله الأخبار الصحيحة دالة على المنع من الصوم سفرا من غير تقييد بالواجب لكن ورد أخبار مرسلة بجواز المندوب للمسافر و عمل بها أكثر الأصحاب حاملين للأخبار الأُول على الكراهة للمندوب جمعا بينها و بين ما دل على الجواز و قد عرفت ما فيها إلا أن دلائل السنن يتسامح فيها و يمكن الاحتجاج للجواز بحديث من بلغه شيء من أعمال الخير و حينئذ فالقول بالكراهة لا بأس به و قد أوردوا على ما أفاده لدفع الإشكال الأول إيرادين الأول إن نقص الثواب و قلته يوجد في كثير من العبادات بالنسبة إلى الأخرى كالصلاة في البيت بالنسبة إلى المسجد و في مسجد المحلة بالنسبة الى المسجد الأعظم و لا يطلقون الكراهة عليها أصلا و الثاني أنه لو كان بمعنى نقص الصواب بدون رجحان للعدم فلا وجه لترك النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) تلك العبادات و نهيهم الناس عنها كما نقل عنهم (عليهم السلام) لأن قلة الثواب لا يقتضي الترك و نهى الناس عنها خصوصا فيما لا بدل له إذ فيه تفويت ثواب بلا عوض أقول و الحق أن العبادة الصحيحة الشرعية لا بد لها من جهة حسن لأجلها يستحق فاعلها الأجر و الثواب و لا يعقل صحة العبادة و شرعيتها مع خلوها عن مطلق الأجر و من البيّن أنه لا يمكن استحقاق الأجر و الثواب على تركها أيضا من تلك الجهة نعم ربما يقارن العبادة صفة و خصوصية يكون عدمها راجحا على وجودها رجحانا يوجب ترتب الثواب على تركها من دون ترتب عقاب على الإتيان بها إذ مع ترتب العقاب لا يوصف العبارة المشخصة المخصوصة بتلك الخصوصية بالصحة و الشرعية إلا على فرض الإحباط إن جوزناه و على هذا فيوصف تلك الخصوصية بالكراهة الاصطلاحية و يمكن وصف هذه العبارة أيضا بالكراهة بهذه الاعتبار خصوصا إذا كان الثواب المترتب على ترك تلك الخصوصية أزيد من الثواب المترتب على نفس تلك العبادة و لا يستبعد العقل عن ذلك مثلا الصوم المندوب في السفر باعتبار اشتماله على محاسن الصيام و ترك مشتهيات النفس و ملاذها لوجه الله تعالى موجب للأجر و الثواب و لكن السفر باعتبار الحركات الشاقة المتعبة التي يتفق فيه غالبا مع قلة النوم و تغير أكثر العادات يوجب كمال ضعف البدن و القوى و وهنها و كلالها و الصوم أيضا موجب لذلك الضعف و الكلال و لا ريب في أن انتظام أمور السفر من القيام بالحركات اللازمة و حمل الأشياء الثقيلة و المحافظة على العبادات الواجبة المهمة و دفع المحاربين و القطاع و التحرز عن أذى الوحوش و السباع يستدعي مزيد قوة للبدن و انبساط للنفس فيحتمل أن يكون الصوم في السفر موجبا لفوات كثير من تلك المنافع الدينية و الدنيوية و على هذا فمن صام فيه باعتبار الحسن المعلوم للصوم و عدم القطع و الظن بترتب المفاسد المحتملة يستحق عليه الأجر و الثواب و من ترك فيه الصوم للاحتياط في حفظ النفس و العرض و المال عن تطرق خلل في الحال أو المال فربما استحق أجرا أوفر و ثوابا أزيد إذ من البيّن أن حسن مراعاة الاحتياط في أمثال تلك الأمور العظيمة أزيد بكثير في نظر العقل و الشرع من حسن القيام بالصيام و لو صار فوت منفعة مهمة من تلك المنافع بسبب الصوم متيقنا أو مظنونا بالظن الغالب لصار الصوم محظورا محرما و لكن مجرد الاحتمال لا يوجب ذلك كما أن مجرد احتمال المفسدة لا يوجب سقوط الواجب الشرعي و بالجملة فمثل هذا الصوم ثواب تركه على وجه مخصوص بنية مخصوصة أزيد من ثواب فعله على وجه خاص بقصد خاص فيمكن وصفه بالكراهة و يظهر الباعث على تركهم (عليهم السلام) له و نهيهم الناس عنه و يبعد حمل كلام
المسالك على ما ذكرنا لأنه قال المراد كونه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر و لو كان مراده ما ذكرناه لقال المراد كونه أنقص ثوابا من ترك الصوم على وجه و للمتكلف أن يحمل كلامه على إرادة أنه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر باعتبار اشتماله على خصوصية ناقصة هي احتمال ترتب المفسدة لا باعتبار اشتمال الصوم في الحضر على مزية زائدة كالمزية التي للصلاة في المسجد بالنسبة إلى الصلاة في البيت فينطبق على ما ذكرناه و يندفع عنه الإيرادان و لكنه بعيد عن العبارة غاية البعد و يمكن أن يقال إن العبادات تختلف في الأحكام الشرعية بحسب المصالح المختلفة المقتضية لها مثلا المصلحة التي في صوم شهر رمضان يقتضي أن يكون هذا الصوم واجبا حتما لا يرخص أحد في تركه إلا على أحد الوجوه المقررة بحسب الشرع و أما صوم أول يوم من رجب فلا يصح أن يكون بعنوان الوجوب و اللزوم بحسب أصل الشرع بل بعنوان تأكد الاستحباب و كمال الرغبة و لو صامه أحد بقصد الوجوب الشرعي لكان تشريعا حراما و صوم سائر الأيام التي لم يرد في صومها تأكيد من الشارع ينبغي أن يكون الاستحباب من دون تأكد و اهتمام فربما كان اقتضاء المصلحة في بعض أفراد الصوم كالصوم في السفر أن يكون بعنوان الندرة و الشذوذ لبعض آحاد الناس باعتبار أن رغبة أكثرهم فيه و اهتمامهم به و خصوصا في أكثر الأيام يوجب تطرق المفاسد في كثير من الأسفار فذلك