تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٤٣٦ - الدرس الثالث و السبعون في ما يجوز و يستحب فعله للصائم و ما يكره
حينئذ في الأكل و ربما احتجوا أيضا برواية غياث باعتبار اختصاص النخامة بما في الصدر و ضعف هذا القول و ضعف مستمسكهم واضح جدا و قال خالي طاب ثراه بوجوب الاجتناب عن ابتلاع النخامة بنوعيها إذا صارت في الفم للشك في دخول ابتلاعها حينئذ في الأكل فتحصيل البراءة اليقينية من التكليف الثابت بالصوم يقتضي التجنب عنه إلا أنه لا يلزم بذلك وجوب الكفارة و لا القضاء لأصالة البراءة أقول و ما ذكره من وجوب الاجتناب لتحصيل البراءة اليقينية فغير طاهر إذ المعلوم و المسلم أن التكليف اليقيني يقتضي البراءة اليقينية بمعنى أنه يجب إبراء الذمة يقينا من كل ما هو معلوم الثبوت فيها و لا يكفي مجرد احتمال البراءة و الشك فيها و أما ما هو مشكوك الثبوت فلا يلزم الإتيان به بحكم أصل البراءة مثلا إذا ثبت التكليف بالصوم و شغل الذمة به فيجب الخروج يقينا عن عهدة كل ما هو معلوم الدخول في الصوم شرعا و أما الأمور المشكوكة و منها التجنب عن ابتلاع النخامة فالأصل براءة الذمة عنها حتى يثبت دخولها في الصوم كيف لا و الحكم بوجوبها بمحض الاحتمال يئول إلى الحكم بشغل الذمة بمجرد الاحتمال و هو غير صحيح البتة و لو صح ذلك لوجب الحكم بالقضاء و الكفارة أيضا لاحتمال ثبوتهما في الذمة باعتبار دخول هذا الابتلاع في الأكل الموجب لهما و في وجوب الكفارات الثلاث هنا أي في صورة ابتلاعها من فضاء الفم نظر باعتبار التردد في تحريم ابتلاع الشخص نخامته خصوصا قبل أن يخرج من الفم لأجل خباثتها و تحريم أكل الخبائث و كون ذلك في الإدخال من الخارج و أما الخبائث الداخلة فلا حكم لها لتعذر التجنب عنها و يؤيده ما رواه عبد اللّٰه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته و ظاهره الرد من الفم إلى الجوف و إن أمكن حمله على ردها قبل أن تصل إلى فضاء الفم و تجب الكفارات الثلاث لو كانت نخامة غيره لخباثتها و كونها فضلة غير المأكول و كل ما يحرم في غير الصوم يتأكد فيه لأن هذا الزمان ظرف للعبادة فلا يجوز صرفه في المعصية و قد قال اللّٰه تعالى إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ و روى محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و شعرك و جلدك و عدد أشياء غير هذا و قال لا يكون يوم صومك كيوم فطرك و روى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) لجابر بن عبد اللّٰه يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره و قام وردا من ليله و عف بطنه و فرجه و كف لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر فقال جابر يا رسول اللّٰه ما أحسن هذا الحديث فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يا جابر و ما أشد هذه الشروط كالمسابة بتشديد الموحدة أي المشاتمة روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ما من عبد صالح يشتم فيقول إني صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلا قال الرب تبارك و تعالى استجار عبدي بالصوم من شر عبدي فقد أجرته من النار و الظاهر أن المراد بقوله عبدي المشتوم و بالثاني الشاتم فإن المشتوم لما جعل الصوم مانعا عن معارضة الشاتم فكأنه استجار به أو المراد أنه استجار من شر سيئة مشاتمته و طول التشاجر و استمرار التشاتم بينهما بالصوم و طلب فضله و روى جراح المدائني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إن الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده ثم قال قالت مريم إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً و صمتا و في نسخة أخرى أي صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم و غضوا أبصاركم و لا تنازعوا و لا تحاسدوا قال و سمع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) امرأة تسب جارية لها و هي صائمة فدعا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بطعام فقال لها كلي فقالت إني صائمة فقال كيف تكونين صائمة و قد سببت جاريتك إن الصوم ليس من الطعام و الشراب قال و قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا صمت فليصم سمعك و بصرك من الحرام و القبيح و دع المراء و أذى الخادم و ليكن عليك وقار الصائم و لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك و الفرق بين النسختين أن النسخة الأولى تدل على اعتبار
الصمت بقرينة تفريع قوله تعالى فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا و النسخة الثانية على تفسير الصوم بالصمت و لعل الغرض من ذكر الآية الاستشهاد على اعتبار نوع من حفظ اللسان في الصيام لأجل استعمال الصوم فيه في الآية و دلالتها على حسنه و التعبد به في الشرائع السالفة و ما رواه الفضل بن يسار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا صام أحدكم الثلاثة الأيام من الشهر فلا يجادلن أحدا و لا يجهل و لا يسرع إلى الحلف و الأيمان باللّٰه فإن جهل عليه أحد فليحتمل و قوله (عليه السلام) فإن جهل عليه أحد أي أظهر الجهل لخشونة الكلام و الشتم قال في القاموس جهل عليه أظهر الجهل كتجاهل و قال العلامة في المنتهى المشاتمة و التلفظ بالقبيح لا توجب الإفطار عندنا و به قال باقي الفقهاء إلا الأوزاعي و ذكر احتجاجه بروايتين لأبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و آله) و أجاب بعدم دلالتهما على الإفساد و الكذب و قد مر البحث عنه مفصلا و يجوز التبرد بالغسل من غير ارتماس و صب الماء على الرأس للأصل و عمل المسلمين و ما تقدم في بحث الارتماس من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الصائم يستنقع في الماء و يصب على رأسه و يبرد بالثوب و ينضح المروحة و ينضح البوريا و لا يرمس رأسه في الماء و لو علم دخوله الأذن ما لم يعلم تعديه إلى الحلق لما تقدم في بحث السعوط بما يصل إلى الدماغ من عدم دليل تام يدل على عد جواز إيصال شيء إلى مطلق الجوف و لو غمس رأسه في الماء مع خروج البدن دفعة أو على التعاقب