تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٤٩٤ - في تعريف الاعتكاف و بيان شرائطه
و اشتراطه بالصوم لا يقتضي إلا تحققه بأي وجه كان ليمكن تحقق المشروط المنذور كما أن ناذر الصلاة لو اتفق كونه متطهرا في الوقت الذي تعلق به النذر لم يفتقر إلى طهارة مستأنفة و قال العلامة في التذكرة على ما نقل عنها لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام مثلا وجب الصوم بالنذر لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب و كأنه رحمه اللّٰه أراد لزوم الصوم عليه شرعا لتوقف الاعتكاف الواجب بالنذر عليه و أما الحكم بوجوب إيقاعه بالنذر لأجل الاعتكاف كما هو الظاهر من العبارة فمشكل جدا كما عرفت و قال أيضا في التذكرة لو نذر اعتكافا و أطلق فاعتكف في أيام أراد صومها مستحبا جاز و هذا القول أيضا بظاهره ينافي ما ذكره أولا من وجوب إيقاع الصوم في الاعتكاف المنذور للنذر إلا أن يكون مراده أنه جاز الصوم في هذه الأيام للاعتكاف عن الصيام المرغب فيه شرعا في تلك الأيام و لكنه بعيد عن العبارة غاية البعد و قال الشهيد الثاني في المسالك لا يصح جعل صوم الاعتكاف المنذور مندوبا للتنافي بين وجوب المضي على الاعتكاف الواجب و جواز قطع الصوم المندوب و لا يخلو هذا الكلام عن تأمل أما أولا فلمنع وجوب المضي على الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق و أما ثانيا فلأن عدم جواز قطع الصوم باعتبار استلزامه للخروج عن الاعتكاف الواجب لا يقتضي وجوب أصل الصوم بحسب الشرع و تفصيل ذلك في بحث وجوب المقدمة في علم الأصول و يشترط النية في ابتدائه لأنه عبادة مفتقرة إلى النية و لو قلنا بلزوم التعرض للوجه في النية ففي المندوب ينوي الندب به جملة في ابتدائه و إن قلنا بوجوبه بالدخول أو بمضي اليومين لأنه فعل واحد متصل شرعا لا يعاقب المكلف على تركه رأسا و يثاب على فعله و لا معنى للمندوب إلا ذلك و الوجوب الطاري لبعض أجزائه بعد الإتيان بالبعض لا ينافي استحباب أصل الفعل و لا حاجة إلى التعرض لهذا الوجوب الشرطي في النية في ابتداء الفعل لعدم دليل يدل عليه و لا إلى تجديد نية الوجوب بعد مضي اليومين لكفاية نية واحدة للفعل الواحد في أوله و لا يفتقر كل جزء إلى نية على حدة كما هو مقرر معلوم من الشريعة في جملة العبادات و استمرار نية الندب بأصل الفعل في هذا الوقت لا ينافي الوجوب الطاري لهذا الجزء بخصوصه باعتبار الإتيان بالسابق نعم على تقدير تفريق النية على الأيام و القول بجوازه فينوي بالثالث الوجوب لوجوبه حينئذ لأنه يعاقب على تركه حينئذ و يثاب على فعله و هو الوجوب و قال خالي طاب ثراه تبعا لصاحب المدارك و إن قلنا بوجوبه بعد الشروع أو بعد اليومين و قلنا باعتبار الوجه فالظاهر أنه ينويه كذلك أولا أو يفرق النية فينوي اليومين الأولين ندبا ثم الثالث وجوبا و لا وجه للإشكال في الأول بتقديم النية على محلها لأن محل النية أول الفعل غاية الأمر اتصف الفعل باعتبار أجزائه بوصفين مختلفين و كذا لا وجه للإشكال في الثاني بأن من شأن العبادة المتصلة أن لا يفرق النية على أجزائها إذ لا وجه للقول بامتناع هذا التفريق و قد اعترفوا بجوازه في الوضوء و ما قيل من أن الأصل في الاعتكاف الندب و الوجوب عارض فيجوز أن ينوي فيه أجمع ما هو الأصل ضعيف انتهى كلامه رفع مقامه و أقول أما ما ذكره في كيفية النية أولا فضعفه ظاهر إذ لا يمكن قصد الوجوب بالثالث في أول الفعل لعدم وجوبه بعد بل يجوز تركه من غير عقاب و قصد الوجوب الشرطي ليس بقصد الوجه المعتبر في النية و هو ظاهر و أما ما ذكره ثانيا ففيه أن جواز تفريق النية في جميع العبادات يحتاج إلى دليل لا يمكن إقامته و أما ما ذكره أخيرا من الحكم بضعف ما قيل فضعفه ظاهر لإمكان إرجاعه إلى ما ذكرناه في كيفية النية و هو في غاية القوة و المتانة و هو أي ابتداؤه قبل طلوع الفجر لدخول شيء من الليل من باب المقدمة و حيث جوز في نية الصوم المقارنة للطلوع كما عرفت فليجوز هنا أيضا فيكون في الأيام الثلاثة التي لا يكون الاعتكاف في أقل منها اتفاقا منا ليلتان أما خروج الليلة الأولى فلأن مسمى اليوم هو النهار لأنه المعروف منه عند الإطلاق لغة و استعمالا حتى في القرآن الحكيم لقوله تعالى سَخَّرَهٰا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ قال الشيخ في الخلاف اليوم ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس هكذا ذكر الخليل و غيره من أهل اللغة و أما دخول الليلتين المتوسطتين فلاعتبار الثلاثة المتوالية في الاعتكاف فلو لم تدخل الليلة التي في
البين فيجوز الخروج منه و فعل ما ينافيه فيها و ينقطع اعتكاف ذلك اليوم عن غيره و يصير منفردا و لو صح ذلك لصح اعتكاف أقل من ثلاثة و هو باطل إجماعا فالليل و إن لم يدخل في مسمى اليوم لكنه هنا يدخل تبعا لتحقق الثلاثة المتوالية و قال الشهيد الثاني طاب ثراه في المسالك فإن قيل يمكن تحقق التوالي باعتكاف النهار خاصة و لا يخرجه الليل عن اسم الموالاة كما يتحقق الموالاة في الصوم مع خروج الليل إجماعا قلنا فرق بين الاعتكاف و الصوم فإن الاعتكاف يتحقق ليلا و نهارا و من ثم لو صرح بإدخال الليالي أو أتى بلفظ يستلزم إدخالها دخلت فإذا لم يدخل الليالي كان قد فرق الاعتكاف فلا يكون متتاليا بخلاف الصوم فإنه لما لم يتحقق في الليل تعين حمل الموالاة فيه على توالي نهار الأيام خاصة لامتناع غيره و الحاصل أن الأصل في الموالاة متابعة الفعل الموصوف بها بعضه لبعض بحسب الإمكان فلما أمكن في الاعتكاف دخول الليالي المتخللة لم يتحقق الموالاة بدونها و لما لم يمكن ذلك في الصوم حمل على أقرب أحوال الإمكان و هو متابعة النهار في جملة الأيام بعضه لبعض و حينئذ فلا يصح إخراج الليالي عن الاعتكاف بوجه انتهى و ما أفاده رحمه اللّٰه في غاية المتانة يقال المفهوم من النصوص موالاة الأيام الثلاثة كما يفهم من قوله (عليهم السلام) لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام و مسمى اليوم هو النهار كما اعترف به