تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٤١٤ - الدرس الثاني و السبعون ما اختلف فيه في وجوب القضاء و الكفارة
في الحكم إلى الغبار في الموضعين و لكن العلامة رحمه اللّٰه في المختلف نسب إليه القول بأنه غير مفطر و نقل كلامه الأول و اختاره و قواه و استدل عليه بما سيأتي ثم إن فهم غلظة الرائحة و ضبط حدها لا يخلو عن إشكال و إرجاعها إلى الحدة يأبى عنه حكم الشيخ في النهاية بكراهة شم المسك و ما يجري مجراه للصائم إذ لا رائحة أحد من من رائحة المسك و المراد بالجوف أيضا إن كان الخيشوم و أقصى الأنف ففيه أن الشم لا يتصور بدون وصول الرائحة إليه و إن كان ما دون الحلق و هو الظاهر كما وقع لفظ الحلق بدل الجوف في النهاية ففيه أنه لا يمكن العلم بذلك لأن الحلق ليس فيه قوة شم الرائحة إلا أن يقال أن الشامة تدركها من الحلق بوصولها إليه و هو مستبعد فالظاهر أن مرادهم بالرائحة الغليظة التي تصل إلى الجوف الرائحة القوية التي يحدث شمها طعما في الحلق أو الذائقة كرائحة الأشياء البالغة غاية الحموضة أو نهاية المرارة نحو الخل و الحنظل و الصبر فإن حدوث الطعم في الحلق و الجوف لا يتصور إلا بوصول جسم له هذا الطعم إليه فيوجب إدخاله الجوف عمدا بسبب التعمد في الشم القضاء و الكفارة و القول بتكيف الهواء بطعم ذي الطعم بسبب المجاورة و إحساس الذائقة ذلك الطعم من الهواء المكيف الذي يصل إليها بالشم مستبعد جدا و لا يقول به أحد و يؤيد الحكم بوجوبهما أيضا ما تقدم من رواية سليمان بن جعفر المروزي و لكن الكلام حينئذ معهم في فساد الصوم بمثل هذا الإدخال الخفي الذي لا يدرك الطرف الشيء الداخل و إنما يعلم وجوده بالدليل و لا يطلق عليه أهل العرف و اللغة لفظة إدخال الشيء في الحلق و بالجملة نطالبهم بدليل ذلك و رواية سليمان لا يصلح لذلك كما عرفت مرارا نعم لو فرض وصول جسم محسوس بسبب هذا الشم إلى فضاء الفم و ما فوق الحلق و تعمد في ابتلاعه فإنه يوجبهما البتة و لكن بعد الفرض واضح و الحاصل أن البحث في هذه المسألة كالبحث في مسألة الغبار إلا أنها أبعد منها عن القول بوجوب القضاء و الكفارة فيها باعتبار كمال خفاء الخلط و تغيير طريق الإدخال و أيضا ينتقض احتجاجهم هذا بمن لطخ باطن قدمه بالحنظل فإنه يجد طعمه في حلقه و لا يفطره ذلك إجماعا كما قاله في المنتهى و احتج في المختلف على أنه غير مفطر بعد الاحتجاج بالأصل بأن إدراك الرائحة إما أن يكون باعتبار انفعال الهواء الواصل إلى الخيشوم بكيفية ذي الرائحة أو بحصول الإدراك في الخيشوم من غير انفعال و لا انتقال كما ذهب إليه من لا تحقيق له و إما بانتقال أجزاء ذي الرائحة إلى الخيشوم و هو نادر و على التقديرين الأولين لا إفطار و إلا لزم حصول الإفطار في أول جزء من النهار لعدم انفكاك الإنسان من استنشاق الأهوية فإنه أمر ضروري له في بقائه و الثالث غير معلوم لندوره فيكون الأصل بقاء العبادة و انتفاء المبطل و بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الصائم يشم الريحان و الطيب قال لا بأس و ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصائم يشم الريحان أم لا ترى له ذلك فقال لا بأس أقول إذا كان مرادهم بالرائحة الغليظة ما ذكرنا فلا وجه لحججه في مقابل قولهم أما الأولى فلأن القول بانفصال الأجزاء في الإحساس بالرائحة إن كان نادرا فليس الأمر في الطعم كذلك إذ لا يقول أحد فيه بتكيف الهواء بكيفية ذي الطعم و إحساس الذائقة هذه الكيفية منه أو من الرطوبة اللعابية بعد تكيفها بكيفية الهواء أو خلطها به على أن حاصل هذه الحجة على ما ذكره لا يرجع إلا إلى أصل عدم إفساد شم الرائحة للصوم لأن على القول بإبطاله له لا يلزم على التقديرين الأولين خصوصا على الثاني القول بإبطال استنشاق أصل الهواء للصوم و هو ظاهر و كلامهم في الثالث ليس إلا أن الأصل انتفاؤه و أما الروايتان فلظهور أن رائحة الريحان و الطيب ليست من جنس الرائحة الغليظة بهذا المعنى ثم استدل للشيخ بعد رواية سليمان بأن الرائحة عرض و الانتقال على الأعراض محال و إنما تنتقل بانتقال محالها فإذا وصلت إلى الجوف علم أن محلها قد انتقل إليها و ذلك يوجب الإفطار و أجاب بأن انتقال الأعراض و إن كان محالا لكنا قد بينا أن الرائحة لا ينتقل و إنما الهواء ينفعل و يصل إلى الخيشوم أقول و بعد ما عرفت حقيقة الحال تعرف أن لاستدلالهم
صورة أخرى و لا وجه لجوابه في مقابلها و نقل المرتضى في الجمل عن قوم من أصحابنا وجوبهما بالحقنة من غير تعرض للفرق بين المائع و الجامد و قد مر تفصيل الأقوال فيها و البحث عنها و هما متروكان أي قول الشيخ في النهاية بوجوبهما بالشم و ما نقله المرتضى من وجوبهما بالحقنة و السعوط و هو بالضم صب الدواء في الأنف و بالفتح ذلك الدواء بما يتعدى الحلق متعمدا كالشرب في إيجاب القضاء و الكفارة لصدق إدخال الشيء في الحلق عمدا اختيارا و هو مختار العلامة رحمه اللّٰه أقول التعمد في إفساد الصوم المعلوم حقيقته من الشرع بذلك واضح فيجب القضاء و لكن شمول أخبار وجوب الكفارة لذلك لا يخلو عن إشكال إذ لا يبعد ادعاء ظهور اختصاص الإفطار و الأكل و الشرب الواقعة فيها بما يكون بطريق العادة و لا بد لمثل هذا الحكم المخالف للأصل جدا من دليل ظاهر ثم إنه ينافي ما قواه العلامة و صححه في هذه المسألة ما قاله في المنتهى في مسألة الكحل من أن الإيصال إلى الحلق لا يستلزم الإفطار ما لم يبتلعه و الظاهر أن هذا القول منه في المنتهى على سبيل الاحتمال للقدح في دليل أحمد لأنه في مقام البحث عليه و إن لم يكن قويا عنده مرضيا له لا ما يصل إلى الدماغ فإنه لا يوجب شيئا من القضاء و الكفارة و إن كان الدماغ من الجوف لعدم دليل تام يدل على فساد الصوم بإيصال شيء إلى مطلق الجوف و الأخبار الواردة في باب السعوط لا يفيد إلا الكراهة كما رواه الجمهور عن أنس أن النبي (صلى الله عليه و آله) كره السعوط للصائم و لم يكره الكحل و ما رواه ليث المرادي قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصائم يحتجم