تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٤٧٣ - الدرس الخامس و السبعون في الاستهلال لشهر رمضان و أحكامه
بأي معنى فسر من المعنيين السابقين و البلاد المتقاربة بحسب العرف المتوافقة في العروض و المطالع كالبصرة و بغداد متحدة في الحكم فلو رئي في أحدها الهلال ثبت حكم الرؤية على جميع أهلها لا المتباعدة كبغداد و مصر قاله الشيخ في المبسوط و متى لم ير الهلال في البلد و رئي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رئي فيها متقاربة بحيث لو كان السماء مصحية و الموانع مرتفعة لرئي في ذلك البلد أيضا لاتفاق عروضها و تقاربها مثل بغداد و واسط و تكريت و الموصل فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد و خراسان و مصر فإن لكل بلد حكم نفسه و لا يجب على أهل بلد العمل بما رواه أهل البلد الآخر و قال المحقق رحمه اللّٰه في المعتبر حكم الهلال في البلاد المتقاربة واحد و لا كذلك المتباعدة بل يلزم من رأى دون من لم ير و قد أفتى بذلك عبد اللّٰه بن عباس و مثله قال في الشرائع و مثل المتقاربة بالكوفة و بغداد و المتباعدة بالعراق و خراسان و قال العلامة في المنتهى إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعدت البلاد أو تقاربت و به قال أحمد و الليث بن سعد و بعض أصحاب الشافعي و قال الشيخ إن كانت البلاد متقاربة لا تختلف في المطالع كبغداد و البصرة كان حكمها واحد و إن تباعدت كبغداد و مصر كان لكل بلد حكم نفسه و هو القول الآخر للشافعية ثم نقل عن بعض الشافعية تحديد البعد بثمانية فراسخ و عن بعض العامة أن لأهل كل بلد حكم رؤيتهم ثم استدل على ما اختاره و ذكره أولا بأنه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية و في الباقي بالشهادة فيجب صومه للآية و الأخبار الدالة على وجوب صوم الشهر أقول و ضعفه ظاهر لأن الكلام في أن الشهر هل يختلف بالنسبة إلى البلاد أم لا فكيف يمكن أخذ تحقق الشهر بالشهادة مطلقا مسلما في الدليل ثم استدل بأن البينة العادلة شهدت به الهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلاد و أقول إن أراد المقايسة فضعفها ظاهر و إن أراد دلالة ظواهر الأخبار الواردة في الشهادة عليه ففيه أن المتبادر المنساق إلى الفهم من الأخبار شهادة أهل البلد أو النواحي كما هو الشائع المتعارف في ذلك ثم استدل بأنه شهد برؤيته من يقبل قوله فيجب القضاء لو فات للأخبار الواردة في ذلك كصحيحة منصور بن حازم المتقدمة و نحوها مما تضمن الأمر بالقضاء عند شهادة الشاهدين و الجواب عن مثل هذه الأخبار قد ظهر مما ادعيناه من أن المتبادر ما هو الشائع الغالب في باب الشهادة على مثل ذلك و كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر و قال لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه فقال بعد ذكر هذه الرواية فعلق (عليه السلام) وجوب القضاء بشهادة العدلين من جميع المسلمين و هو نص في التعميم قربا و بعدا ثم عقبه بمساواته لغيره من أهل الأمصار و لم يعتبر (عليه السلام) القرب في ذلك أقول هذه الرواية مع ضعف سندها لا يخلو متنها عن اشتباه و كأنه (عليه السلام) أشار إلى تعليق وجوب القضاء بشهادة العدلين من بين جميع المسلمين أو بشيوع الرؤية بين أهل الأمصار و يمكن أن يقال إن العدلين من بين جميع المسلمين لا عموم له قربا و بعدا بالنسبة إلى العدلين بل التعميم فيه فيمن لم ير فهو مطلق يمكن حمله على القريب بقرينة التعارف كما عرفت في غيرها من الروايات و عموم أهل الأمصار يفيد اعتبار القريب و البعيد جميعا و لا يدل على جواز الاكتفاء بالبعيد كما هو مطلوبه رحمه اللّٰه و حيث لا يمكن اعتبار الجميع على ما هو معلوم من الخارج فيحمل على مصر كل أحد و لا يفيده ذلك أصلا كما لا يخفى ثم استدل بإطلاق قول أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه حيث لم يعتبر القرب و بصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال فيمن صام تسعة و عشرين قال إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوما فقوله (عليه السلام) مصر نكرة شائعة تتناول الجميع على البدل فلا تخصص إلا بدليل أقول يشكل ادعاء ظهور العموم و المطلق
يمكن حمله على الفرد الغالب المنساق إلى الفهم أي مصره أو القريب منه كما عرفت على أن هذه الأخبار وردت في القضاء دون الإفطار فلعله من باب الاحتياط للصيام و اعلم أن صحيحة هشام لا تخلو عن دلالة على اعتبار الشهادة على الشهادة في الهلال ثم قال احتجوا بما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت بها حاجتي و استهل علي رمضان فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد اللّٰه بن عباس و ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال أنت رأيته قلت نعم و رآه الناس فصاموا و صام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا يزال نصوم حتى تكمل العدة أو نراه فقلت أ فلا تكتفي برؤية معاوية و صيامه قال لا هكذا أمرنا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و الجواب ليس هذا دليلا على المطلوب لاحتمال أن ابن عباس لم يعمل بشهادة كريب و الظاهر أنه كذلك لأنه واحد و عمل معاوية ليس حجة لاختلال حاله عنده لانحرافه عن علي (عليه السلام) و محاربته له فلا يعتد بعمله و بالجملة فليس دالا على المطلوب و أيضا فإنه يدل على أنهم لا يفطرون بقول الواحد أما على عدم القضاء فلا و لو قالوا إن البلاد المتباعدة تختلف عروضها فجاز أن يرى الهلال في بعضها دون بعض لكرية الأرض قلنا إن المعمور منها قدر يسير هو الربع و لا اعتداد به عند السماء و بالجملة إن علم طلوعه في بعض الأصقاع و عدم طلوعه في بعضها المتباعدة عنه لكرية الأرض لم يتساوى حكمتاهما أما