تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٤٧١ - الدرس الخامس و السبعون في الاستهلال لشهر رمضان و أحكامه
فقال كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم و موجدة ما فيه فلا ريب أنه كافر و إن اعتقد أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها و اللّٰه سبحانه هو المؤثر الأعظم كما يقوله أهل العدل فهو مخطئ إذ لا حياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي و لا نقلي و بعض الأشعرية يكفرون هذا كما يكفرون الأول و أوردوا على أنفسهم عدم إكفار المعتزلة و كل من قال يفعل العبد و فرقوا بأن الإنسان و غيره من الحيوان يوجد فعله مع أن التذلل و العبودية ظاهرة عليه فلا يحصل منه اهتضام لجانب الربوبية بخلاف الكواكب فإنها غائبة عنه و ربما أدى ذلك إلى اعتقاد استقلالها و فتح باب الكفر أما ما يقال بأن استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار و غيرها من العاديات بمعنى أن اللّٰه تعالى أجرى عادته بأنها إذا كانت على شكل مخصوص أو على وضع مخصوص يفعل ما ينسب إليها و يكون ربط المسببات بها كربط مسببات الأدوية و الأغذية بها مجازا باعتبار الربط العادي لا الفعل الحقيقي فهذا لا يكفر معتقده و لكنه مخطئ أيضا و إن كان أقل خطأ من الأول لأن وقوع هذه الآثار عندها ليس بدائم و لا أكثري انتهى كلامه رفع مقامه و قد ظهر من هذا التحقيق ما هو المراد من النهي الوارد في هذه الأخبار إن شاء اللّٰه تعالى و قد ظهر منه أيضا أن القول بنفي حياة السماويات ليس ضروريا في الدين كما ادعاه المرتضى في بعض رسائله خلافا لشاذ من الأصحاب حكى الشيخ رحمه اللّٰه في الخلاف عن شاذ من أصحابنا و من العامة القول بالجدول و احتج أصحاب هذا القول على ما ذكره العلامة رحمه اللّٰه في المنتهى بقوله تعالى وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ و بأن الكواكب و المنازل يرجع إليها في القبلة و الأوقات و هي أمور شرعية فكذا هاهنا و ضعف ذلك ظاهر للفرق الواضح بين الاهتداء بمشاهدة النجم في تعرف الطرق و المسالك و البلدان و القبلة و الأوقات و الشهور كما ورد في الشريعة و بين الاهتداء باستخراج حال النجم من الرصد و الحساب الظني كما هو المبحوث عنه و المفيد في هذا المقام و لكن بقي الإشكال فيما لو حصل العلم بالهلال للرصدي من الحساب و التجربة أو لغيره بقول كثير منهم و قد يتفق ذلك نادرا خصوصا في الليلة الثانية أو الثالثة من الشهر بحسابهم حيث اختل ضبط أوائل الشهور المتعددة المتوالية بالرؤية و المشاهدة و وجه الإشكال عدم ورود التعويل على الرصد في الشريعة كما عرفت و حصول العلم بدخول الشهر المأمور من حضره بالصيام كحصول العلم به بانقضاء ثلاثين من شعبان و يمكن القول بعدم اعتبار مثل هذا العلم الحاصل لبعض الآحاد بالنظر الدقيق الخفي المأخذ في أمثال تلك الأحكام الفرعية التي أخذ التعبد بها على عامة الناس و ذلك بخلاف العلم بدخول الشهير الجديد بانقضاء ثلاثين من الشهر السابق فإنه من العلوم العادية الظاهرة و لا عبرة أيضا بعدم طلوعه أي طلوع القمر من المشرق في دخول الشهر لليلة المستقبلة لأنه لا يطلع في الثامن و العشرين البتة بل و قد لا يطلع في السابع و العشرين أيضا نادرا في بعض الشهور مع عدم إمكان الشهر الجديد في الليلة المستقبلة و في التاسع و العشرين أيضا قد يدخل و ذلك عند نقصان الشهر و قد لا يدخل عند تمامه فكيف يمكن اعتبار تلك العلامة مع عدم استقامتها إلا في رواية داود الرقي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال إذا طلب الهلال في المشرق غدوة فلم ير فهاهنا هلال جديد رأي أو لم ير فالمصنف حمل الرؤية على ظاهرها مع منافرة لفظ الهلال له إلا أن يكون من باب المشاكلة للهلال الجديد المذكور بعده و حكم بعدم اعتبار العلامة لعدم استقامتها كما عرفت مع ضعف سند الرواية و يحتمل أن يكون المراد أنه إذا طلب الهلال بمعناه المتعارف في المشرق غدوة أي قبل الزوال في الثلاثين إذ لا يحتمل طلب الهلال في المشرق قبل الثلاثين باعتبار ظهور عدم إمكان الرؤية قبل الزوال فيه فلم ير في ذلك الوقت فهاهنا أي في جانب الغربي هلال جديد ليس ليلة الماضية سواء رأي بعد الزوال أو لم ير و على هذا يصح ترتب الجزاء على الشرط البتة و يدل الشرط بمفهومه باعتبار قيد فلم ير على أنه إذا طلب قبل الزوال و رأي فهو لليلة الماضية و ليس بجديد و يوافق ما ذهب إليه السيد من اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال و يحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله (عليه السلام) فلم ير أي في الليلة الماضية و يكون الغرض
من هذا التقييد و التفريع بيان وجه طلب الهلال غدوة و الإيماء إلى أن المعتبر رؤيته في الليلة و المراد بقوله فهاهنا أي في جانب الغربي هلال جديد لليلة المستقبلة و ليس لليلة الماضية سواء رأي في أثناء النهار و لو في وقت الطلب و قبل الزوال أو لم ير أصلا و على هذا فيدل على خلاف ما ذهب إليه السيد و يوافق المشهور و يمكن إرجاعها أيضا إلى أحد هذين المعنيين بوجوه أخر من تفسير اللفظ كما لا يخفى على المتأمل و بالجملة لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على شيء من المذاهب و قد نقل عن السيد الفاضل المحقق النائيني رفع مقامه أن المراد من الرؤية أنه إذا طلب الهلال أي القمر بدو المحاق في المشرق غدوة من اليوم السابع و العشرين فلم ير فهاهنا أي في الليلة التي يحتمل الرؤية فيها و هي ليلة الثلاثين هلال جديد سواء رأي أو لم ير و مؤدى الرواية ما ذهب إليه أهل التنجيم من أنه إذا لم يمكن رؤية الهلال في اليوم السابع و العشرين فهو ممكن الرؤية ليلة الثلاثين و الشهر ناقص أقول و لا ينبغي الجرأة على القول بمثل تلك الاحتمالات البعيدة عن الفهم و اللفظ في تفسير كلام الصادقين (عليهما السلام) و أغرب من ذلك ما نقل عن خالي طاب ثراه و لا يطمئن قلبي بإسناد ذلك إليه أعلى اللّٰه درجته و هو أن المراد بطلب الهلال في المشرق أن يكون الطلب واقعا في المشرق و المقصود أنه إذا فرض الطالب في البلد الشرقي و طلب الهلال غدوة أي غدوتنا و أول يومنا و إن كان بالنسبة إلى الطالب المفروض آخر يومه لفرضه في المشرق