تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٤٨٧ - الدرس الثامن و السبعون في صوم النذر
أنه قال من نذر صوم شهر بالإطلاق فعليه صوم شهر من أي شهور السنة كان فإن أفطر قبل أن يتم نصفه متعمدا من غير ضرورة وجب عليه استئناف الصوم و إن كان لضرورة جاز البناء و إن أفطر بعد مجاوزة نصفه تممه و لا استئناف و من شرط الموالاة في صوم النذر وجب عليه الصوم كذلك انتهى و يشعر كلامه باطراد حكم مجاوزة النصف في الموالاة و هو خلاف المشهور و لا وجه أيضا للحكم بوجوب التتابع من دون أمر يقتضيه إلا أن يقال إن الشهر لا يطلق عرفا إلا على بين الهلالين و على هذا يشكل حكمه بأنه إن أفطر بعد مجاوزة نصفه تممه و لا استئناف لأنه إذا أفطر بعض أيام الشهر و تممه من شهر آخر لا يصدق عليه أنه صام الشهر سواء كان ذلك قبل مجاوزة النصف أو بعدها و لا وجه لاعتبار حكم الموالاة في ذلك و لو نذر الصوم الواجب كرمضان و قس عليه غير الصوم من الواجبات لم ينعقد نذره عند المرتضى و الشيخ و الحلبي و ابن إدريس و كذا لا ينعقد نذره عندهم لو نذر يوما كالخميس الآتي مثلا فوافق شهر رمضان و احتجوا بأن صومه متعين بأصل الشرع فلا يفيد النذر شيئا و الجواب ما يشير إليه المصنف رحمه اللّٰه من أن الفائدة اللطف بالانبعاث و الأقرب انعقاد نذر كل واجب للطف بالانبعاث و التقريب إلى الطاعة حذرا من الكفارة و الحاصل أن الواجب طاعة يجوز تعلق النذر به كما يجوز تعلقه بغيره من الطاعات المسنونة و ما يتخيل للمنع عدم الفائدة و اللطف بالانبعاث الذي ذكرناه أعظم فائدة يترتب عليه فعلى هذا يجوز ترامي النذر كما لو نذر أن يصوم غدا ثم نذر أن يفي بهذا النذر تأكيدا لوجوب صوم الغد و تقريبا للنفس إلى الإتيان به و الظاهر متابعة ذلك لقصده فلو تكلم بالصيغة ثانيا بقصد تكرار الصيغة الأولى و تدارك ما يتوهم فيها من الخلل فليس ذلك نذرا على حدة و تتعدد الكفارة بتعدده حيث جوزناه لشمول الأدلة الدالة على وجوب الكفارة لخلف كل نذر صحيح و ينبغي التعرض في النية أي نية الفعل الواجب الذي نذر أن يفعله للمؤكد لوجوبه شرعا أي النذر مع الأصل أي الوجوب الذي بأصل الشرع من دون إيجاب المكلف له على نفسه فلو نذر صوم يوم من شهر رمضان مثلا فينبغي أن يتعرض في نية صومه لأنه وجب عليه بأصل الشرع و بسبب النذر أيضا و إذ لا دليل على وجوب التعرض في النية لتلك الخصوصيات كما عرفت في بحث النية قال المصنف رحمه اللّٰه و ينبغي و لا يجب إتمام اليوم أو الشهر المنذور مطلقا من غير تعيين بالشروع فيه فلو نذر صوم يوم و دخل في صوم الخميس بقصد الإتيان بالصوم المنذور فلا يجب عليه إتمام صيامه بل يجوز له الإفطار أي وقت شاء من النهار و الإتيان بالنذر في يوم آخر و كذلك من نذر صوم شهر و شرع في صوم رجب فلا يلزم عليه إكماله سواء قيده بالتتابع أم لا أما مع عدم القيد فظاهر و أما معه فلعدم تعين هذا الشهر عليه فيجوز له أن يتركه و يستأنف شهرا آخر خلافا للحلبي حيث أوجب الإتمام و الإكمال و حكم بأن المفطر مأزور و الظاهر أنه لا يقول بالكفارة و حكي عنه أنه أوجب المضي في كل صوم واجب شرع فيه و حرم قطعه و قد مر منه القول بتحريم إفطار القضاء قبل الزوال أيضا و لعل دليله النهي الوارد في قوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ و قد مر البحث عنه و يجب فعله أي فعل الصوم المنذور في مكان عينه بالنذر لوجوب الوفاء بالنذر و لظاهر خبر علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال سألته عن رجل جعل على نفسه صوم شهر بالكوفة و شهر بالمدينة و شهر بمكة من بلاء ابتلي به فقضى أنه صام بالكوفة شهرا و دخل المدينة فصام بها ثمانية عشر يوما و لم يقم عليه الجمال قال يصوم ما بقي عليه إذا انتهى إلى بلده إذ الظاهر من هذا الخبر أن الراوي يعتقد لزوم فعله في المكان الذي عينه و يسأل عن حاله عند عروض مانع يمنعه عن إكماله في ذلك المكان كعدم إقامة الجمال فقرره (عليه السلام) على ذلك و أجاب عن عروض المانع بوجوب الإتيان ببقية الصوم في بلد آخر وفاقا له أي للحلبي و للشيخ في قول قاله في المبسوط بهذه العبارة و من نذر أن يصوم بمكة أو المدينة أو أحد المواضع المعينة شهرا وجب عليه أن يحضره فإن حضره و صام بعضه
و لم يمكنه المقام جاز له الخروج و يقضي إذا عاد إلى أهله ما فاته و له قول آخر نقل عنه أنه قال يصوم أين شاء و قيده الفاضل العلامة في المختلف بالمزية فقال و الأقرب أنه إن كان لذلك الموضع مزية كالمواضع التي تمثل بها أبو الصلاح أي مكة و المدينة لزم و إلا فلا لنا أن متعلق النذر إنما يجب الوفاء به لو كان طاعة و لا طاعة في تعيين الأمكنة التي لا تختص بمزية الشرف أقول و يمكن أن يقال إن متعلق النذر الصوم في هذا البلد و هو طاعة فيجب الوفاء به و لا يلزم أن يكون لما يعتبره من الخصوصية أيضا مزية زائدة نعم لو كانت الخصوصية مخالفة للشرع كالصوم بعنوان الوصال لا يلزم الوفاء بها و في وجوب الوفاء حينئذ بأصل الصوم أيضا تأمل و تردد الفاضل في المنتهى و هو في محله و لعل من يقول بعدم تعيين المكان مطلقا نظر إلى أن أشرف المكان لا مدخل له في زيادة أجر الصوم و لا يخلو ذلك عن إشكال بل ربما أشعر بعض الأخبار بخلافه كما ورد في صيام ثلاثة أيام بالمدينة و لو نذر صوم داود (عليه السلام) و هو الصوم غبا فتابعه استأنف عند الحلبي لعدم إتيانه بمتعلق النذر على الوجه الذي تعلق به مع رجحانه و وقوع التعبد به في شرعنا و شرع من قبلنا و حكم العقل أيضا برجحانه بحسب ملاحظة حال البدن و المزاج و أمور المعاش و الحكم بالاستئناف إنما يصح إن كان النذر لزمان معين العدد دون العين كأن نذر أن يصوم شهرا صوم داود (عليه السلام) فتوخى شهرا و صامه متتابعين و أما إن كان لزمان معين كأن نذر أن يصوم شهر شعبان صوم داود (عليه السلام) فصام الجميع فالظاهر وجوب الكفارة و القضاء كما إذا صام يوما و أفطر يومين و كفر للخلف عند ابن إدريس فقال