تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس - الخوانساري، الشيخ آقا حسين - الصفحة ٣٥١ - من شرائط الصوم النية أو الندب أو القربة
فإذا لم يكن للفعل إلا وجه واحد بحسب أصل الشرع كالصوم في شهر رمضان حيث لا يقع فيه غيره شرعا استغني عن نية التعيين مثل رد الودائع و تسليم الأمانات و هذا يدل على عدم اعتبار نية الوجوب أيضا في شهر رمضان كما ذكرنا سابقا و كذا يدل على أنه لو عين سببا لا يقع إلا على وجه الوجوب فلا يحتاج إلى نية و لعل المصنف (رحمه الله) لا يقول باعتبار الوجه في النية من جهة التميز بل لما يقوله المتكلمون من وجوب إيقاع الفعل لوجهه و لكن إثبات ذلك مشكل جدا و أيضا هذا الاحتجاج كما يدل على عدم اعتبار تعيين السبب في صوم شهر رمضان يدل على عدم اعتباره في النذر المعين و شبهه أيضا و الفرق كما يفهم من المختلف أن التعيين في الأول بأصل الشرع لأن هذا الزمان لا يصلح شرعا إلا لهذا الصوم بخلاف الثاني لأن التعين فيه لعارض من قبل الناذر و كان الزمان في نفسه بحسب أصل الشرع صالحا لغيره فيفتقر إلى التعيين بحسب النية كالنذر المطلق فغير نافع أصلا لأن التميز الواقعي إن كان يغني عن التعيين بحسب النية لعدم الحاجة إلى المميز يغني فيهما و إلا فلا و لا دليل بحسب الشرع يدل على اعتبار التعيين بأصل الشرع و عدم اعتباره بسبب العارض و هو ظاهر و القياس على النذر المطلق قياس مع الفارق لعدم تعيين الزمان فيه له أصلا و احتج المحقق (رحمه الله) في المعتبر ثانيا على الحكم المذكور بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فإذا حصل مع نية التقرب فقد حصل الامتثال فكان ما زاد منفيا و اعترض عليه بأن امتثال الأمر فرع تعقل المأمور أن الأمر أمره بذلك الفعل فإذا لم يعتقد أن الصوم غدا مما أمر الشارع بالإتيان به فيه لم يكن ممتثلا للتكليف بالصوم غدا و إن اعتقد ذلك فقد لزم تعيين السبب إذ لا نعني بقولنا لزمه أن ينوي أنه صائم غدا صوم شهر رمضان إلا لزوم التعرض في النية لأنه الصوم الذي أمر به الشارع في هذا الزمان الخاص بل نقول إن لم يعتقد المأمور أنه من أيام الشهر الذي أمر الشارع بصيامه لم يكن ممتثلا لهذا التكليف و إن اعتقد ذلك فقد ثبت ما قلناه و الجواب أن المكلف إذا فهم التكليف و استشعر الخصوصيات و لكن كان وقت الإتيان بالفعل ذاهلا عن هذه الخصوصيات على سبيل التفصيل و علم إجمالا أن هذا الفعل مطابق لمطلوب الشارع و أن إتيانه به وسيلة للتقرب إليه فلا ريب في أنه بعد إتيانه به على هذا الوجه ممتثل لأمره مطيع لحكمه خارج عن عهدة تكليفه مع عدم تعيين السبب في النية كيف لا و هو حينئذ غير متذكر لشيء من الخصوصيات و إن كان بحيث يمكنه التذكر إذا التفت إليها و تصدى لإحضارها بل و يمكن أن يكون ممتثلا و إن لم يتيسر له التذكر للخصوصية مع رجوعه إلى وجدانه و التفاته إلى الخصوصيات أيضا مثل أن لا يكون في ذكره إلا طلب الشارع لصوم لم يقيد بغير هذا اليوم فلو صام ذلك اليوم بقصد القربة كان ممتثلا و إن كان الإطلاق أو التقيد باليوم على سبيل الانفراد أو في ضمن الشهر أو الأسبوع يكون له مشكوكا فإن أردتم بالتعيين هذا الالتفات الإجمالي إلى الأمر المشتمل على السبب فلا تنازع معكم و يلزمكم الخروج عن محل النزاع و إن أردتم شيئا أزيد منه فلا يثبت بما ذكرتم و أفاد خالي طاب ثراه أن إتمام هذا الاحتجاج يتوقف على إثبات أن النية خارجة عن حقيقة الصوم شرطا لها و أن الصوم حقيقة شرعية في مهية الإمساك المعين مطلقا من غير اعتبار استجماع شرائط الصحة في معناه الحقيقي حتى إذا انتفى بعض شرائط الصحة صدق الصوم حقيقة إذ حينئذ نقول من أراد إثبات أمر زائد على القدر المسلم يحتاج إلى دليل لأن إثبات الشرط يقتضي تقييد المطلق و هو متقدر بقدر الضرورة و اقتضاء الدليل و أما على التقديرين الآخرين كان تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي الإتيان بالفرد الذي ثبت كونه فردا للمأمور به فردا يحصل به الامتثال و هو إنما يحصل بالإتيان بالفرد الذي وقع الاتفاق على إجزائه أو دل الدليل عليه و حيث كان إثبات الأمرين المذكورين لا يخلو عن عسر كانت البراءة اليقينية من التكليف الثابت يقتضي اعتبار قصد التعيين لكن عند انتفائه لا يلزم الحكم بوجوب القضاء لأن القضاء بتكليف جديد منوط بفوات الفعل أداء و لم يثبت في موضع البحث انتهى كلامه و أقول خلاصة احتجاج المحقق (رحمه الله) ليس إلا أن الشارع أمرنا بصوم شهر رمضان بقوله عز
من قائل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و لا نفهم من الصوم بعد تتبع عرف أهل الشرع و قاطبة المسلمين أزيد من هذا الإمساك المخصوص فإذا حصل مقرونا بنية التقرب المعلوم اعتبارها في العبادة فقد حصل الامتثال و من ادعى لزوم شيء زائد على ذلك فعليه البيان لأن الأصل براءة الذمة حتى يثبت اشتغالها فالإيراد عليه بأن عليك إثبات عدم اعتبار كذا و كذا كما يرجع إليه كلامه ليس إلا كإلزام المنكر بإقامة البينة على براءة ذمته من حق المدعي و ذلك من الغرائب و إن أراد ره تحصيل العلم بالبراءة تحصيل العلم بالإتيان بفرد كان مستجعما لجميع الشرائط التي اعتبرها الشارع في الواقع فعلى التقدير الأول أيضا لا يحصل هذا العلم إلا مع العلم بحصر الشرائط بالنص أو الإجماع الحكم الثاني أنه يعتبر في النذر المعين و شبهه من العهد و اليمين المعنيين تعيين السبب و هذا قول الشيخ (رحمه الله) في المبسوط و الجمل و الخلاف و استقربه العلامة في المختلف و رأي السيد و ابن إدريس في ذلك عدم الافتقار إلى التعيين و قواه في المنتهى حجة القول الثاني ما ذكرناه أولا في عدم الافتقار إلى التعيين في صوم شهر رمضان بانضمام عدم الفرق بين التعيين بأصل الشرع أو بالعارض كما ذكرنا و حجة القول الأول أولا ما ذكرناه في مقام بيان الفرق و قد عرفت ضعفه و ثانيا أن الأصل وجوب التعيين إذ الأفعال إنما يقع على الوجوه المقصودة ترك ذلك في شهر رمضان لأنه