بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٨ - الاعتراض الثالث
العنوان و المعنون حتى يقال هذا يغفل عن العنوان، و يلتفت إلى المعنون، ليس هناك معنون في الذهن، و إنما هو العنوان و المفهوم فقط:
إذن فما معنى الإفناء و الاندكاك!:
فمعناه إذن أن هذه الصورة الذهنية للنار التي هي موجودة في أفق الذهن، لها لحاظان: باللحاظ الأولي التصوري هي نار، و باللحاظ الحقيقي التصديقي الذي يبرز حقيقتها هي صورة ذهنية و ليست نارا هي من مقولة الكيف.
إذن فهناك نظران نحو هذا الشيء الواحد: فتارة ينظر إليه بالنظر التصوري فهي نار، و أخرى ينظر إليه بالنظر التصديقي الذي يكشف عن حقيقة هذه الصورة فهي صورة و خيال و وجود ذهني، و ليست نارا.
إذن فمعنى الإفناء حينما نقول- النار محرقة-، لا نستعمل النظر الثاني، بل نستعمل النظر الأول، لأن النظر الثاني يكشف حاق هذه الصورة، و يكشف حقيقتها، فلو استعملنا هذا النظر، لما قلنا محرقة، بل لقلنا إنها مؤنسة- فكر، علم، كيف نفساني-. إذن فلا بد من ترك هذا النظر، و الاكتفاء بالنظر التصوري، و هذا هو حقيقة الفناء في هذا القسم.
و أكثر من ذلك نقول: بأن في هذا القسم، و في هذا المعنى للفناء، ليس هناك فناء، بل هناك غض عن نظر، و استعمال لنظر آخر، فمتى ما أردنا أن نقول- النار محرقة- توجهنا إلى النار بالنظر التصوري، و متى ما أردنا أن نقول- النار فكري و جزء من ذهني- توجهنا إليها بالنظر التصديقي، و هذا المعنى للفناء، و هو الغض عن نظر و استعمال آخر، أمر معقول و صحيح، و هو الموجود في المفاهيم الاسمية.
المعنى الثاني: و هو قسم آخر من الفناء، و هو ليس فناء العنوان بالمعنون الخارجي، بل هو فناء مفهوم في مفهوم و اندكاك معنى في معنى، و هذا هو الذي يدّعى عادة في الحروف بأن معنى (من) هو الابتداء الملحوظ