بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨ - الجهة الأولى في تشخيص حقيقة (الوضع)
فإذا ضممنا هاتين القضيتين إحداهما إلى الأخرى؛ و هي أن اللفظ سبب لوجود المعنى ذهنا، و لتصوره في ذهن السامع، و القضية الثانية، و هي أن اللفظ بذاته لو خلّي و طبعه بدون أن ينضم إليه أمر خارجي ليس سببا ذاتيا لحضور المعنى و انتقاشه في الذهن، يستنتج من ذلك، أنه لا بد و أن يوجد أمر خارجي، و هذا الأمر الخارجي بانضمامه إلى اللفظ، هو الذي أوجب صيرورة اللفظ سببا للمعنى في عالم الذهن، بحيث ينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى.
فمن هنا يقع الكلام في حقيقة هذا الأمر الخارجي، ما هو هذا الأمر الخارجي، الذي ببركته و بانضمامه حصل بين اللفظ و المعنى هذه السببية؟:
هذا الأمر الخارجي نسميه (الوضع)، و حينئذ نتكلم في حقيقة هذا الوضع؛ ما ذا صنع الواضع بحيث جعل اللفظ سببا للمعنى، هذه السببية بين اللفظ و المعنى في عالم الوجود الذهني، كيف حصلت؟ و بأي نحو نشأت من الواضع؟ هذا هو معنى البحث عن حقيقة الوضع، و في هذا البحث يوجد ثلاثة مسالك:
١- مسلك التعهّد.
٢- مسلك الاعتبار.
٣- مسلك الجعل الواقعي.
و سوف نتكلم في كل واحد من هذه المسالك مع مناقشته.