بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٩ - توضيحات و تفريعات
فيقرن اللفظ مع المعنى، و بعد لا يفرّق بين أن يصدر هذا اللفظ من إنسان أو حيوان أو حجر، فيدل هذا اللفظ على هذا المعنى، و لا معنى لأن يشكل على الواضع بأنه لا فائدة من انتقال اللفظ من الحجر إلى معناه، فيقول: بأن هذا أمر لا يتبعّض و لا يتجزّأ إذ إنّ هذا ليس بابه باب المجعولات الإنشائية حتى أقيّده و أخصّصه بمقدار الحاجة، بل هذه عملية واقعية تكوينية، أقرن اللفظ مع المعنى فحينئذ يقترن اللفظ مع المعنى على أيّ حال.
و لهذا قد يحصل هذا الاقتران من قبل الواضع التعييني بلا إنشاء أصلا، و بلا جعل، كما هو الحال في الاقترانات التي تلقى في أذهان الأطفال بين الألفاظ و المعاني، فكما ينشأ في نفس الطفل دلالة (الماما، و البابا، و الحليب) بسبب هذه الاقترانات، بأن تمسك الأم القارورة بيدها و تقول له (حليب) عدة مرات، دون أن تستعمل أي إنشاء، و دون أن تقول له وضعت لفظة (حليب) لهذا السائل تحته، أو جعلتها معنى تنزيليا له، فبحسب الحقيقة، أن يقترن أحدهما بالآخر، كما لو كتب لافتة و جعل فيها صورة القارورة، و إلى جانبها لفظة (حليب)، فحينئذ، متى ما رأينا صورة القارورة، يقترن في ذهننا لفظة (حليب) مع الحليب، و هكذا، متى ما سمعنا هذه الكلمة انتقل ذهننا إلى هذا المعنى.
إذن فالوضع ليس مجعولا إنشائيا ليتصور فيه الإطلاق و التقييد، ليقال:
بأن هذا إطلاقه لغو.
ج- الأمر الثالث: يتساءل فيه، أ ليس من المعروف أن العلم بالوضع له دخل في الانتقال إلى المعنى؟ فما هو معنى هذا؟.
يتضح مما ذكر و هو أن العلم بالوضع له دخل في الانتقال إلى المعنى، معناه: إن الوضع بوجوده النفس الأمري، لا يوجد اقترانا في الذهن ما بين اللفظ و المعنى، إذ إنه موجود في المنجد. فما لم يوجد اقتران في ذهني بين اللفظ و المعنى، لا يصير هناك وضع حقيقة بالنسبة لي، و إنما يكون وضعا بالنسبة إلى الغير الذي اقترن اللفظ و المعنى في ذهنه بشكل متعمق متأكد.