بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٨ - توضيحات و تفريعات
و قد اعترض على ذلك، السيد الأستاذ [١]، بأن الدلالة التي تحصل من اصطكاك حجرين، لا ينبغي أن تكون دلالة وضعية و مجعولة من قبل الواضع، فإن الواضع حكيم لا يعقل أن يجعل اللفظ دالا على المعنى مطلقا، حتى لو صدر اللفظ من اصطكاك حجرين، لأن مثل هذا الإطلاق لغو، و غرض الواضع هو أن يتفاهم الناس العقلاء فيما بينهم، لا أن يتفاهم الناس مع الأحجار.
إذن فلا بدّ و أن يكون المجعول من قبل الواضع مخصوصا بخصوص ما إذا صدر اللفظ من العاقل الملتفت، لا فيما إذا صدر من قبيل الحجر، و نحوه.
و هذا الإشكال كأنه مبني على التصور القديم لمعنى الوضع، فإذا كان الوضع عبارة عن أمر إنشائي مجعول من قبل الواضع، من قبيل جعل الملكية في باب البيع من قبل البائع، و هكذا من المجعولات التشريعية الإنشائية التي يتصور فيها الإطلاق و التقييد، حينئذ يقال: بأن هذا المجعول الإنشائي من قبل الواضع- دلالة اللفظ على المعنى- مطلقا، حتى لما إذا اصطك حجر بحجر، أو يجعله لخصوص ما إذا صدر من إنسان عاقل ملتفت؟.
حينئذ قد يقال: لا معنى لأن يجعله الواضع مطلقا، بل ينبغي جعله مقيدا، لأن مثل هذا الإطلاق لغو، إذن فيجعله مقيّدا، فيختص مجعوله الإنشائي بخصوص اللفظ الصادر من العاقل.
و لكن بناء على ما أوضحناه، من أنّ الوضع ليس مجعولا إنشائيا من قبيل مجعولية التمليك بعوض في باب البيع، حتى يتصور له الإطلاق و التقييد، و إنما هو أمر تكويني قد يستعان في مقام تحقيقه بعبارة إنشائية، فيقول مثلا: سمّيت ولدي زيدا.
فالوضع بحسب الحقيقة هو عبارة عن أن يقف إنسان أمام إنسان آخر
[١] محاضرات في أصول الفقه- فياض: ج ١/ ص ٥٢.