بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٧ - تحقيق الكلام في جعل السببية الواقعية
الحرارة في الماء، و ما جعلنا الشيء الذي ليس بسبب سببا مباشريا؛ فجعل السببية المباشرية أمر غير معقول، بمعنى أنّ الشيء الذي لا يكون سببا نجعله سببا! فهذا غير معقول، لأنّ السببية بالنسبة إلى السبب الذاتي تكون ذاتية لا محالة.
نعم يمكن أن أجعل شيئا سببا للعرض، و ذلك بأن أوجد فيه السبب بالذات لا أوجد سببية السبب بالذات، بل أوجد السبب نفسه بالذات؛ فالماء ليس سببا ذاتيا للحرارة، و يستحيل جعل السببية الذاتية المباشرية للماء، بل يمكن جعله سببا بالعرض و ذلك بإيجاد ما هو سبب بالذات فيه، و هو الحرارة، فيصبح حينئذ سببا بالعرض بالنسبة إلى الحرارة، و أما السبب بالذات فهو الحرارة نفسها، و الحرارة لم نجعل سببيتها بل سببيتها ذاتية.
فإن أريد في المقام بجعل السببية الذاتية في اللفظ، بحيث يجعله بذاته سببا، بعد أن لم يكن سببا: فهذا أمر مستحيل، لأنّ السببية الذاتية حيث أنها من خواص الأسباب الذاتية يستحيل أن تكون مجعولة بجعل مستقل. و إذا استحال وضع و جعل السببية تكوينا لما ليس بسبب، فيستحيل جعلها تشريعا، أو اعتبارا.
و إن كان المراد من جعل هذه السببية ضمّ ما هو السبب بالذات إلى اللفظ- من قبيل جعل الماء سببا للحرارة، و ذلك بأن نفتش أنه ما هو السبب بالذات في الحرارة، هو الحرارة نفسها، فأوجد الحرارة في الماء، فيصير الماء ببركة ذلك سببا بالعرض. فهذا أمر معقول في المقام، و هو أن نوجد في اللفظ خصوصية زائدة، و ببركتها يصبح اللفظ سببا بالعرض، و تلك الخصوصية التي ببركتها أصبح اللفظ سببا بالعرض للمعنى، هذه الخصوصية لم يبينها هذا المسلك، و كل ما قاله إنّ الوضع يرجع إلى جعل السببية الواقعية، و هذا المقدار صحيح، لكن ليس جعلا مباشريا للسببية، بحيث يجعل السببية الذاتية، لأنّ السببية الذاتية لا تقبل الجعل، بل إنما يجعل السببية العرضية، بمعنى أن يضم خصوصية إلى اللفظ ليصبح بواسطتها سببا للمعنى، و حينئذ جعل شيء