بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣ - المسلك الثالث ٣- مسلك الجعل الواقعي
و كان أمرا واقعيا على حدّ السببية بين النار و الإحراق مثلا، فحينئذ نسأل:
إنّ الواضع الذي يصدر منه هذا الوضع، و يجعل سببية واقعية بين اللفظ و المعنى، هل يجعل هذه السببية مطلقا، أو يجعلها مقيدا بصورة العلم بالوضع؟.
فإن قيل: بأنه يجعل سببية اللفظ للمعنى سببية واقعية مطلقا، في حق كل أحد، من دون أن يقيد مجعوله بالعلم بالوضع!.
قلنا: يلزم من ذلك حينئذ أن يكون اللفظ سببا لتصور المعنى، و إيجاده في الذهن من حق كل واحد، سواء أ كان عالما بالوضع، أو جاهلا بالوضع، لأنّ المفروض أن الجاعل، جعل السببية على الإطلاق، و لم يقيدها بخصوص صورة العلم بالوضع، مع أن المشاهد وجدانا أن اللفظ لا يكون سببا لتصور المعنى إلّا في مثل العالم بالوضع، و أمّا في مثل الجاهل بالوضع فهو يسمع اللفظ، و لا ينتقل ذهنه إلى المعنى.
و إن قيل: بأن الواضع يجعل سببية اللفظ للمعنى، لكن مشروطا بالعلم بالوضع، فمثلا يقول إذا كنت عالما بالوضع. فاللفظ أجعله سببا للمعنى، فتكون سببية اللفظ للمعنى مشروطة بالعلم بالوضع.
و عليه: فحينئذ، يلزم الدور في المقام، و ذلك لأنّ سببية اللفظ للمعنى، هذه السببية الواقعية المجعولة من قبل الواضع، هذه مشروطة بالعلم بالوضع، و متوقفة على العلم بالوضع، فهي في طول العلم به. و الوضع ما هو؟ هو نفس السببية، لأنّ أصحاب هذا المسلك يقولون: بأن الوضع عبارة عن سببية اللفظ للمعنى.
إذن فالعلم بالوضع يكون عبارة عن العلم بسببية اللفظ للمعنى، فيرجع أخيرا إلى أن سببية اللفظ للمعنى، مشروطة بالعلم بسببية اللفظ للمعنى، و هذا دور، لأنه يلزم من ذلك أن تكون سببية اللفظ للمعنى في طول العلم بالوضع، لأنّ كل مشروط في طول شرطه، و الشرط هو العلم بالوضع، يعني العلم